الغزو الفقهي.. وقفات مع قول الكلباني بتجويز الغناء والمعازف

آخر تلك الفتاوى المدوية، جواز الغناء والمعازف والتي ركض بها بشكل لافت الشيخ/ الكلباني .
وقبل استعراض الحُلة المتفردة التي خرجت بها تلك الفتوى، ينقدح في الذاكرة ذاك التعاون المدهش إن جاز التعبير، الذي جمع داعية ونجما سلفيا مع قطب الغناء العربي الأول.
حالة من الاستنكار و الاستهجان طفحت على المشهد إزاء هذا الخروج الصارخ على أدبيات المنهج والخطاب اللذين كان الداعية أحد رموزهما والمؤثرين في وعي ذلك الوقت ضمن دعاة ووعاظ من ذات التيار.
في الأيام الخوالي، لم يكن هذا الحدث الحركي من أحلام ليالي الشتاء الطويلة، غير  أنك لو جندت طاقة استثنائية لعصف ذهني شديد لن تخرج بسبب يرأب هذا الشرخ  المعتمل في وعي العامي البسيط الذي سوف تدثره خيبة الأمل وتعقره الحيرة ، عندما يشهد
المواعظ التي كانت تلهب أسماعه بالأمس تذوب في حناجر المغنين اليوم .
وإن كان ثمة ثقب أعمله هذا التطبيع  ( الهجين ) بين الواعظ الداعية والفنان المغني فإننا لا نستبعد أن من طلائع المتنفسين من خلاله تلك الفتوى التي أرسلها الشيخ / الكلباني بتجويز الغناء والمعازف.
وتزمزم الحالة التي صاحبت تلك الفتوى بوشاية بأن إباحة الغناء و المعازف حمل أضحى ثقيلا وهماً بات مؤرقاً  ينوء بهما الشيخ الكلباني  .
وهذا يبدو جلياً في ثنايا بيانه الذي وسمه بـ ((تشييد البناء في إثبات حل الغناء )) بهذا العنوان الملتهب الذي لا ريب أنه أحرق به عباءة الفقيه المفتي التي أزمع تقمصها ، قبل تقمصها.
ولو ولجت في ثنايا البيان لتبدى لك ذلك بجلاء، بعيداً عن المنهج العلمي و التأصيل الفقهي الذي كان البيان معوزاً إليه أكثر من اكتشاف المرض الجرثومي الذي يعاني منه فئة كبيرة من العلماء وطلبة العلم، وحالة الغباوة المحدقة بفقهنا الذي أمسى متحجراً عتيقاً على حد رأيه.
ثم إن المشكل في موضوع الغناء و المعازف أنه  مفهوم محكوم عليه قبل الإسلام بوصمة الازدراء ونظرة الاحتقار، وسواء كان الغناء حلالا  أم حراما فالذين لا يجتنبونه تديناً يجتنبونه ترفعاً بأنه ليس من فاضل المعاني عند العرب ولا من نبيل الشيم، بل من مطاعن الرجولة  و متالف المروءة،   والدليل سوف نسوقه من نفس بيان الشيخ عادل وأيضا ًمن الأسماء الذي ذكرها واعتد بعدالتها.

و مع ذلك نقول لو أن الشيخ /عادل وقف على ضفاف أقوال ( الفقهاء ) الذاهبين إلى جواز الغناء والمعازف وأمسك واعتصم بعد ذلك بالصمت ، لأوى إلى ركن شديد، غير أن بيانه المغاضب انساق نحو متاهات تجاوزت في مدلولاتها أن يكون  الغناء حلالا أم  حراما ..!
فلا توغلن إذا ما سبحت *****  فإن السلامة في الساحلي

ولو وقفنا وقفات مع بيان الشيخ بعيداً عن بحور الفقه ومشارب العلماء نجد في استهلالة مقدمته التي اقتبس بعضاً منها من كتاب العقد الفريد،( الياقوتة الثانية في علم الألحان واختلاف الناس فيه ) لابن عبد ربه الأندلسي وهو من كتب التراث الأدبية المشهورة.
ثم ينقل الشيخ عادل( وقد ذكر الأطباء منذ القدم أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق ..)
فنقول : إن كان هذا دليلا على جوازه ،فهو برهان ناصع وحجة ظاهرة على حرمة الغناء والمعازف ، حيث لم يخبر المصطفى عليه الصلاة و السلام عن الذي يجري مجرى الدم في العروق سوى الشيطان ، وذلك ما أخبر به الأنصاريان حينما رأياه عليه الصلاة و السلام مع زوجه صفية رضي الله عنها، وأراد عليه الصلاة والسلام أن يدفع ريبة الشيطان عن قلبيهما ( والحديث في صحيح البخاري ). فإن كان كذلك ،فخليق بالغناء يكون من أعمال إبليس والمعازف من أدواته الخبيثة كونهما تجريان معه في مجرى واحد.
ثم اعتد الشيخ عادل في بيانه برواية ( أبو الفرج الاصبهاني ) المتشيع صاحب كتاب الأغاني المشهور . وذكر أن ممن  اشتهر بالغناء وذاع صيته( إسحاق بن إبراهيم أبو صفوان المغني المشهور)  و ذكر أنه كان معظماً عند الخليفة المأمون . دعونا ندندن هاهنا و لا نبارح الشخوص الثلاثة المذكورين آنفا .
فالشيخ/عادل يذكر أن إسحاق بن إبراهيم ( معظماً ) عند المأمون .
فنقول: إن ألإمام أحمد بن حنبل ليس معظماً عند المأمون وهو إمام أهل السنة والجماعة  بل أزمع البطش والنكال به وبكل من لم  يواتيه على بدعة الاعتزال التي تبنى كبرها، لولا أن قصمه الله  . فمن من السلف يعظم المأمون أو يواليه..؟
وهنا يؤذن مقام الدليل الذي ذكرت أنه سوف يرد معنا في السياق  حول مفهوم الغناء وكينونته في الإرث العربي الإسلامي، وأيضاً مع هؤلاء  الشخوص الثلاثة :
يذكر :الاصبهاني أن المأمون يقول: (لو لا ما سبق على ألسنة الناس وشُهر به عندهم من الغناء ، يقصد إسحاق بن إبراهيم، لوليته القضاء بحضرتي ،فإنه أولى به وأعف وأصدق وأكثر ديناً وأمانه من هؤلاء القضاة).( الأغاني م/5ص173) . فهذا المأمون المعتزلي الذي رام تحوير المعتقد السلفي من أغلال المنقول إلا فضاءات المعقول على مذهب الاعتزال لم يسعه أن يتصدر المغني مجلس القضاء في النهار ثم ينصرف إلى مجلس السمر والقصف في الليل مع الندماء والقيان، فالمفهوم ضارب بجذوره في الذهنية العربية بصرف النظر عن كون الغناء ولوازمه حلالا أم حراما . ولولا الإطالة لأفضنا في هذا المعنى ومن ذات الوعاء الأصبهاني أيضا، ومع جلالة قدر إسحاق ورفيع شأنه في الغناء والأدب والفقه لم يتورع الاصبهاني أن يورد أخباره التي كان فيها مخمورا وهذا خلق في الغالب يلحق الغناء والمغنين . ونحن لا نعول على التالف من أحاديث الأصبهاني وقد يكون المعنى سالما بريئا منها. 
وعلى أي حال نستطيع أن نخلص بعد ذلك عن مدى كفاءة الأدوات الفقهية التي اعتمد عليها المفتي من تواضعها، إزاء مفهوم يرفضه الوعي الاجتماعي مرتين، وسيرفضه ثالثه عندما خرجت ( الفتوى ) تختال بحلة استفزازية وبنزعة عنترية ، فتجهيل الافهام، وتسفيه الأحلام، وتتفيه النقول، وجرثمة ( العلماء)كل هذا كان الطافح على صفحات تلك الفتوى .
ثم إن حالتنا يا شيخ عادل/لا تحتمل مزيدا  من الغناء والرقص والتهتك، فالفضاء العربي المترع بذلك نحن عرابه، وتجار الإعلام التافه  لا يكسد لهم بضاعة في سوقنا الجاذبة، فما جدوى تلك الفتوى في رأيك وما النافع المفيد الذي تتدين به إلى الله حسب ما جاء في بيانك؟
إن في أسفار الفقه واجتهادات الفقهاء مسائل أوجب وأحرى بالنظر والتأمل تحاكي معاناة المجتمع والفرد وهمومه اليومية، وما أكثرها على القلب.
واللافت حول مفرقعاتنا الفقهية مؤخراً وما هو بالفعل مدعاة للتأمل أن جلها لا تبارح الغرائز وتستهدف المرأة، من (سفرها بدون محرم، وقيادتها للسيارة، والاختلاط، وإرضاع الكبير، والرقص، والغناء والمعازف). فاختزال الفقه والإجتهاد في تلك المسائل الغرائزية  مؤشر وامض إن لم يفض بأن الحراك  الاجتماعي لا يزال غير ناضج ونوازع المراهقة لم تزل متغلغلة في الذهنية، أو أن أمر ما بدا يروم تلك القيم والثوابت، وثمة ما وراء الأكمة .!
هنا وجبت النهاية وإن بقي في النفس نزر حول هذا الموضوع الذي استهلكت جله الفتوى الأخيرة الطائرة حول الغناء والمعازف ولكن أملي  في القادم من الأيام بإذن الله.

محمد بن إبراهيم الهدلق
لجينيات
2010/8
m.hadlaq9@gmail.com