الإسلام ولصوص الإعلام

أما لو سألت عن أعظم لص تقلب في جنايته و أمهر سارق أمعن في جرمه دون حسيب يزجره أو رقيب يأخذ على يده لقلت لك من غير مرية إنه إعلامنا العربي.
إعلامنا العربي هو النهاب الذي اختطف مشاعرنا ( اﻹسلامية ) وزور أولوياتها وعبث ببوصلتها حسب رغائبه و أطماعه ليصرفها إلى غير مستحقيها من أهل الحوجة والخصاصة .
و الآلة اﻹعلامية العربية المكينة ذات حضور فاعل و سبق قديم وقد أثبتت على مدى عقود غابرة أنها الشريك التاريخي و الراعي الحصري في رسم خارطة التيه و نظم معالم التخلف و إسراج مشاعل الظلام في أذهان الشعوب العربية، والسوابق والوقائع شاهدات على ذلك ولا زالت تلك اﻵلة تهيمن على مفاصل الوعي لدى الفرد العربي تحقق النجاح تلو النجاح والتفوق تلو التفوق في تسويغ أهوائها وفرض مآربها بعدما غلّقت منافذ الوعي و خنقت أنفاسه حتى إذا تغشاه الظلام واستوطن أرجاءه، قال التيه حينئذ .. ( هيت لك ).. والتيه هو الثمرة التي تهيمن على عواطفنا و تتملك مشاعرنا اﻹسلامية وهذا تفوق يجير لتلك اﻵلة الحثيثة، أعلم أن ثمة شريك و متورط في المآلات الرديئة التي صارت اليها أذهان الشعوب العربية ولكني هنا ألقي بالضوء..كل الضوء إلى حيث المتهم الضالع الذي تتكاثر القرائن ضده وتتراكض الدلائل نحوه، ألا وهو.. الإعلام العربي.
والمعلوم أن استهداف العواطف وتجنيدها كوسيلة تحريض لتحقيق فكرة ما، مسلك مطروق ومذهب منتحل نافع ناجع يؤتي ثمرة يانعة متى ما توافرت أشراطه وتحققت دواعيه، فهو كثيراً ما يتكئ على الركام التاريخي للمستهدف وحالته الآنية، فالمشاعر مرهونة بما يعتريها من خطوب وما يواقعها من كروب فإذا استهوتها اﻷحزان وخامرتها اﻵلام تحار آلة الحس لديها ثم لا تكاد تهتدي سبيلا فتغدوا هملا ينساق خطامها في يد كل من يروم منها بغية أو منشود ،
ولن تجد أمة اعتورتها اﻷحزان وساكنتها اﻵلام مثل أمة العرب حتى أضحت تلك المعاني مرصوفة بمثالية في مشاعر وعاطفة كل عربي بئيس.. العربي الذي ما انفكت أرضه ( كرنفالاً ) مزمناً لكل نزوة سياسية تنشدها أي قوى مهيمنة على قرار الأرض و إرادة ساكنيها والتاريخ يشهد والواقع يصادق و لن تجد أصدق من الواقع قيلا.
إذاً السؤال الشاخص هنا، كيف اختطف اﻹعلام العربي مشاعرنا نحن المسلمين وجيرها لغير من هم أحق بها و أولى من سواهم.؟..
سنتكلف جواباً يواري سوءة حقيقة ما يجيش في الوجدان، ونخوض غير مباعدين عن تخوم البوح السائغ المقبول.. فنقول :
إن الامر انكشف عقيب ما تصل ميكروب الثورات العربية العقيمة الى بلاد الشام، حينما جاس طاغوتها خلال الديار يسوم أهلها الخسف ويسلكهم سوء العذاب. أظهر الله هذه الخبيئة وهتك سترها المتواري، وتلك من سننه سبحانه وتعالى، يرسل بالحادثات على عباده مزجاة بشيء من اللطائف فيها منافع للناس و عبر وفِكر لكن، شريطة إن هم فقهوا.. غير أن النوازل التي ما انفكت تطرق رؤوس العرب تكشف حقيقة أمرهم أنهم قوم لا زالوا يجهلون و أن كل قارعة تقرعهم تشف للأمم أنهم في غمرات الظلام يسبحون، ولعمري هم أحق من سواهم بقول شاعرهم :
ولا يعرفون الشر حتى يصيبهم *** ولا يعرفون الامر إلا تدبرا
فتاريخهم دائر بين التقهقر والتدبر، وهذا من نافل الحقيقة ولا إخال من يخالف ذلك باعتقاد إلا من سفه عقله.
لقد قام اﻹعلام العربي يدفع بكل طاقته في المشهد السوري وما يعتمل في أرجاء الثورة بسخاء باذخ، استطاع بتلك القدرة الفائقة أن يستقطب العواطف ويعبئ المشاعر ليصهرها في قالب واحد، ومادة هذا القالب هي الضمير الإسلامي المنحرف الهجين، الناطق بلسان الثورة النابض بمشاعرها.. الم تر كيف اتحدت الألسن المتنابزة وأتلفت القلوب المتباغضة ..؟ ألم تر كيف كانوا أشبه بخرزات متباينة الشكل متناشزة اللون مسلوكة طراً بأنامل من نكر..؟
في غمرة هذا الشعور المتعاظم أطلت كاشفة الله وفاضحة سوءة عاطفتنا الإسلامية، كاشفة ساقها الله بلطف دقيق كما يسوق النذر لعباده المنذرين، إنها المحك الرباني الشفيف الذي أظهر ما يرهق مشاعرنا من خَدَرٍ و غفلة.. أو قل.. ضلال وشِقوة، إنها قضية مسلمي بورما أو ما يعرف بإقليم أراكان الروهنجا، أقلية مسلمة نائية.. قضيتهم أنهم لا يتصلون بسبب إلى عرقنا العربي الفاخر، لذا كان العدو يحسّهم ..يتقصد شأفتهم وضميرنا عن مأساتهم في ذهول منكر،
هبطت قضية الروهنجا على واقعنا شاهرة دلائل أولويتها وأحقيتها بكل ما يجب أن يتكون في دواخل ضميرنا اﻹسلامي من مشاعر وأحاسيس ومن ثم كل ما ينعكس على جوارحنا من فعائل وسلوك من جراء نبض تلك المشاعر ، لكنها صدمت بضمير أثخنته الثمالة، عاجز اﻹدراك خائر الحس، كان يعُب ردحا من خمرة هذه اﻵلة الإعلامية الغاوية حتى استسلم فتسلم هذا اللص الوادع عرى مشاعرنا طوعا من غير إكراه.. يذكرنا بقصة صاحبنا العربي الجاهلي الذي باع بيت الله الحرام بزق من خمر، باعه وهو تاج حسبه وسام جاهه وزخرف شرفه، بعدما انسابت نشوتها في رأسه، حتى أمسى أمثولة للحمق والنوك يعتلكها التأريخ على مر الدهور ( أحمق من أبي غبشان ).
أقول وإن باعدت العجمة بين أسماعنا وبين فزع الروهنجيين واستغاثاتهم فقد خصمونا بما هو أبلغ من قدرة البيان وحاجونا بأظهر من دلالة المنطق، فقد كانت سورة البروج شاخصة ترفرف في أفقنا بمأساتهم تستنصر ديانتنا تستصرخ شيمتنا، تذكرنا بسبب النكال الذي نزل بساحتهم ما هو إلا ذات السبب الذي نزل بأصحاب اﻷخدود.. ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) فالداعي للإبادة التي اطبقت على الشعب الروهنجي لم يكن بسبب حاكم غشوم تسلط على رقابهم ولا نظام فاسد عجز عن كفاية معائشهم بل إن السبب الظاهر عائد الى عقيدة هذا الشعب وديانته، وذلك لعمرك هو جوهر موجبات الغوث وعمدة أسباب النصرة في شرعة اﻹسلام ( وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ) يقول القوي العزيز: في الدين.. ولم يذكر العِرق أو العروبة ..!

…….

مايو٢٠١٥

وكالة أراكان

صحيفة تواصل
محمد بن إبراهيم الهدلق
@hadlaq9