ملحمة الفساد العربي

قبل البدء، إغماضة .. 

على ذلك  المشهد البئيس ، تلفظ الشمس نورها الشاحب البارد العقيم ،كأن أرتالا من  أسراب الجراد السادرة رانت على أديم العنت والوصب ، تقضم غلال الكدح والتعب ، ومع كل قضمة عمياء.. جذوة من نهار تخبو… وقبسة من ظلمة تضيء….تضيء سبيل الظلام وتزف خطى الجهالة لكل مريد لغير الخير ،حتى إذا استتم الظلام  واستحكمت حلكته على كل قلب مثخن مجهود ، تنادت جرذان الخراب الفاسقة من تحت ركام الشرف  وأنقاض الفضيلة ،تقرض بواقي أسمال العفاف وشيئا من أطراف نفسٍ خلقة مستسلمة، استأسرت أوصالها لأغلال القنوط البالية،وعلى نعيب غربان الشؤم  الهرمة تنام على مرقد البؤس المنكود، حتى إذا أُترع الليل من خمرة العبث والفوضى  ، يتجشأ السحرَ المحموم صبحاً   غضوبا مكفهر  الملامح ، يصرخ بملء نوره الواهن الموتور ، يستحث خازن الإثم والفجور ليرفع أذان الويل و الثبور : ( إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ) فيفزع الحيارى من لحود الفقر والجهل والجور، فتراهم سكارى … وما هم بسكارى .!مثقلي الخطى مهطعي الأحداق ، في مشهد مفزع متكامل الرهبة تخالهم يتراءون.. ( مالك ) ..! ولكن …! ليت شعري.. فلا ثمة مالك..!

ثم على ذلك المشهد البئيس.. تلفظ الشمس نورها الشاحب البارد العقيم..  كأن أرتالا من ……..

إستفاقة ..

الفساد ظل الموت الذي يجثم على الأمم .

الفساد صوت إبليس وصورته  بحناجر وسواعد بشرية ..

وفي الملكوت الأعلى وقبل خلق العنصر البشري  كان الفساد القلق الملائكي والتوجس المبكر ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ..الآية ) …الآية .البقرة 30

لذا فإن الحالة الحياتية الصحية هي تلك المراغمة الحتمية الماثلة في الصراع السرمدي بين الخير والشر،كي تتخلق حالة التمايز التي ينشدها الله سبحانه وتعالى والتي على إثرها  يتعين الثواب والعقاب ،يقول سبحانه في سورة الانفال: ( لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ … الآية ) وفي سورة  ال عمران.يقول: ( مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب )

والنفس نزاعة للشر ، لتربص إبليس لها وديمومته في الأرض، لذا  نجد في كثير من المواضع القرآنية الكريمة لا يكتفي الخطاب الكريم بوصف الحالات الفاضلة التي يكون عليها العبد ،كالإيمان  والتقوى والصبر والإنابة ،بل تذهب به فوراً إلى الواقع التطبيقي كما في قوله سبحانه وتعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ) الأعراف 35 (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) الشورى 40 (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ ) النساء (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) هود 11   ( الذين امنوا وعملوا الصالحات) البقرة82 لكي يتعدى النفع ويعم الصلاح وينحسر الشر  .

و هنا يلتمع  جوهر الإصلاح والتعاطي مع مكافحة الفساد، من أنه مفهوم لن يتأتى أو يتعدى ما لم تصلح الذات الإنسانية وتصدق عزائمها ، وقد قال التاريخ أن مشاريع الإصلاح الحقيقية نهضت وانطلقت على هذا الأساس المتين، …وهنا خليق أن نعرض كل نظام ( عربي ) مهما كانت نحلته على تلك القاعدة القرآنية العظيمة .

لا ريب أن الغرب آمنوا بتلك السنّة أقصد ( المراغمة ) واستوعبوا حقيقتها ، في حين أن التجربة التاريخية تقول: أن العرب لا زالوا كافرين بها متجاهلين حقيقتها، إذا علمنا أن هنالك منظمة دولية تعنى بشئون الفساد والفاسدين في العالم وهي (منظمة الشفافية الدولية) والتي  أتذكر أنها أعلنت في أحد تقاريرها 2004 عن أكبر عشرة فاسدين في العالم  لم يكن من بينهم اسم عربي واحد.!!!

أقول: إن كان من  السائغ أن نصف ما يعتور الحالة العربية من أنه فساد بالمفهوم المصطلح عليه والمتفق على معاييره دولياً ، فليس من صنوف التجني إذاً  لو قلنا أنه: أخبث أشكاله وأشرى أنواعه.

إنه ذلك النوع الذي يتسلل إلى أصلاب الأمم فيعطل أركانها ثم  يطّرحها بعيدا عن المضمار الأممي، إنه ذلك  النوع  المسذّج الذي يهبط متقمصاً دثار النبوة  تسبقه تراتيل آلافك عادة وتزخرفه أنامل الزور مبشراً أن ما تحسه وتبصره فهو مخاض التحرر والانعتاق من ربقة الجوع والجور والفوضى، ومراغمة التلف الموروث من خير السلف ، وتلك سمة  ووتيرة  الحراك  العروبي مذ تشكلت أقطارهم السياسية ، كلما تسنمت زمرة لعنت أختها ، و الفرد ما زال يجاهد  البلاء  فرقاً من درك الشقاء ، والعمه ضارب أطنابه  في الذهن  ،والمشهد العام  سابح   في دياجير التخلف والعنت.

إن الفساد العربي  مترسب في الوعي منذ أمد وقد تحلل وبات رميماً ولكن لم تذروه  رياح التجربة والإرادة كما هو الحال في باقي الأمم ذات المعرفة والحضارة،  فبات  كامنا متربصاً، وما يحيق بنا الآن مرحلة من مراحل  إعادة تدوير هذا الرميم،وهذا هو الخبيث النكد منه.

ولم يتسنم العرب سدة التخلف ألأممي ولم يتذيلوا القائمة لأنهم الأسوأ على الصعيد الدولي.! بل لأنهم الأمة التي  لا ينبغي لها إلا أن تكون أنأى الأمم وأرفعها  وأطهرها عن ذلك المفهوم .بحكم اكتنافهم خارطة النجاة الحياتية  واختيار الرسالة الأخيرة  لجنسهم ، وظهورهم بعد ذلك بفضلها على أمم سبقتهم في ميادين الحضارة والقوة والمعرفة ، فمن هنا يتعاظم معنى الفساد وتستثقل وطأته .

ولا تثريب على دول قبعت في ظل التاريخ إن لعنها الفساد ومزقها كل ممزق، ولا تثريب على مجتمعات ضربها الفساد بسياط الجهل والفقر، وإنما التثريب على أمة وعبت كل دعائم النهوض ودواعي التمكين والغلبة ، إنما التثريب على أمة شهد بعلوها وامتيازها رب العالمين أنها ( خير أمة أخرجت للناس ) كيف إذاً يكون هذا مآلها ؟

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ الأعراف : 175 وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ …الآية الأعراف
نعم …لما انحسر رداء الإسلام من عاتق العرب وطوّق نير ( العروبة ) أعناقهم لم ينفكوا مخلدين إلى الأرض.

لجينيات
٢٠١١/١
محمد بن إبراهيم الهدلق

رأي واحد حول “ملحمة الفساد العربي

التعليقات مغلقة.