إيران.. تاريخ التدعيش وفقه الحشيش ١\٢

تحكي وقائع الأيام حينما تتغالب الأمم وتتنافس الشعوب أنه يتخلق في رحم دوراتها حدث أو جملة أحداث تراها مع تعاقب الأزمان تأخذ طابعاً أشبه ما يكون بتعويذة تاريخية، هذه التعويذة عادة ما يضمرها التاريخ، ويخفي ملامحها وأحياناً يُظَن أن النسيان أحبط صمودها وتماسُك قواها وهي عالقة على جُدُر الذاكرة. بعض الأمم تجتهد أن تتمظهر بواقع يغاير صبغة تاريخها المحفوظ في أول صفحاته، زاعمة أن الظرف الإنساني ما عاد يستوعب تلكم الأفكار والممارسات البائدة، لكن الحقيقة تشف للباصر غير ذلك، فالأمم التي افتضت مجد دولتها بانتحال السفك والتقتيل وفرضت سيادتها بسيف الإرهاب والترويع ولا تستمد سكينتها ورفاهية شعوبها إلا من موائد الدسائس والفتن، هي في حقيقتها لا تزال كذلك تمارس نفس السلوك وتتعاطى ذات الأخلاق ربما بوجه سياسي آخر وبأنساق سلوكية مختلفة، وتراها إذا ما ألجأها الظرف واضطرتها الحاجة تميط اللثام عن هذا الوجه المريع ثم تفزع مسرعة إلى هذه التعويذة تبعثها من رميم التاريخ ولا تتمعر من إشهارها والمجاهرة بها بل أحياناً تُفاخر وتباهي بها، مثلاً.. كما صنع بوش الابن حين حار ذهنه وعزت عليه الحيلة.. كيف السبيل لتبرير حربه على ما يسمى بالإرهاب.. ؟ هل تتذكر كيف ارتكس إلى صفحات التاريخ القديمة؟ سابحاً في غبارها حتى خَلُص إلى عصور الظلام باعثاً من فصولها تجدد الحرب الصليبية كمسوغ عاطفي مقدس سيسهم في إضفاء تأييد شرعي جدير على فكرته الحربية.. وما كان هذا الشقي ليعمد إلى ذلك لولا علمه أن مثل هذه الاستعارة التاريخية الفاتنة سوف تصافح شعوراً شعبياً كامناً في وعي الجماهير، إذن.. بمثل هذا تُحرض العواطف وكذلك يُكتسح الوعي.

لكن مع كل هذا أقول: إن قدرات الأمم وتجربتها الحضارية تتفاوت حيث نبوغ ملكاتها وجودة أدواتها ثم إتقان توظيفها بعد ذلك لهذا التاريخ. فإذا كانت الولايات المتحدة ممثلة في بوش الابن استعارت معنى الحروب الصليبية كإشارة تاريخية فاعلة لتغرير وعي الشعوب وتبرير عدوانها على المنطقة ومن ثم تنفيذ (خارطتها) الجديدة، إلا أن ثمة أمة لم تنفك عن ضلالها القديم وما زالت تتعاطى تعويذاتها التاريخية وفق تطبيق فكري وحركي عتيق، ليس بموسوع الظرف ولا بمقدور الفكر أن يستوعبان سخفها وسذاجتها فضلاً عن شذوذ القيم وهبوط المبادئ التي تكتنفها.

هنا دعونا نبرز صنفاً من ملامح هذه التعويذات التاريخية التي فاقت في تعاطيها واستخدامها الأمة الإيرانية، وهي تعويذة لا تعد سوى أمثولة واحدة لتاريخ صارخ بالدماء حافل بالشيطنة والشرور.

مع أقصوصة وقعت أحداثها في أعطاف القرن الخامس الهجري، ستحكي لك.. عن أول أمة تعاطت تشريك العقول وفاقت في تفخيخ الأجساد واحترفت تدويل سلوك الاغتيال ومنهجة البغي والعدوان، فضلاً عن الاقتدار المطلق في استلاب مشاعر الجماهير، وتوحيش عاطفتها الدينية من حيث حقنها بالغلواء والتطرف.

لقد عمدت في سرد هذه القصة ولوج بعض التفاصيل؛ لكي نخلص إلى تصور عادل عن أخلاق العدو المتربص وأدواته التي يتعاطاها في عدوانه وبغيه على أهل الدين باسم الدين.

مع أحدث القصة..

في إيران وتحديداً على تخوم طهران اتخذ الحسن بن الصباح قلعة (آلموت) الحصينة وكراً لنشر حركته الدامية التي انتحلت من الدعوة الإسماعيلية الباطنية دثاراً لها لتحقيق أطماع سياسية بحتة لا تمت للمذهب أو المعتقد بأي صلة، وهذا دأب مألوف مخمور في الحراك الإسلامي السياسي أنه من العسير أن تصبو إلى أي مطمع سياسي أو تروم مقصد سلطوياً من غير أن تمتطي صهوة الدين بحذق ومهارة.

وكان ابن الصباح رجلاً استثنائياً ينطوي على ملكات وقدرات فائقة، كان حاد الذكاء لامع الذهن بارع الفهم تسلل برشاقة إلى مشاعر البسطاء، واستطاع غواية العوام بثوب الناسك المتبتل.

وكانت قلعة (آلموت) تقبع في أعالي شواهق جبال الديلم، وهي تشاطره بعضاً من هذه الاستثناءات والملكات، فهي قلعة عصية المسالك عسيرة التضاريس، يذكر أن ارتفاعها يربو على سطح البحر بـ6000 قدم، ومن مكانتها الشاهقة وتموضعها الحصين أخذت اسمها، فآلموت مفردة فارسية تعني بيت النسر أو وكر النسر، ولم تقتصر هذه القلعة المكينة على تلك الامتيازات وحسب بل إنها تزخر بطبيعة فاتنة خلابة وعلى سفحها يستقل وادٍ ضخم يعزز حصانتها ويضفي روعة إلى بهائها وزخرفها.

ما فتئ ابن الصباح ينثر أضاليله وينشر أكاذيبه في أرجاء القلعة حتى شاع خبره وفشا ذكره، وفي فترة وجيزة أمسى مهوى لأفئدة سكانها، فقد استحوذ فكره على أفهامهم واستبد اسمه بمشاعرهم فانتظمت له قلعة (آلموت) وظفر بتأييدها المطلق لم يلبث ملياً حتى وثب على صاحب القلعة وأبعده منها ليكون بعد ذلك الحاكم باسمها المتفرد بأمرها.

حينئذ أخذ بالنهوض بفكرته العدوانية ودفع بسلوكها الإرهابي وأهدافها الدامية حتى بات اسمها أمثولة الرعب والوحشية ومبعث الخوف والفزع في شتى الأصقاع، إنها فرقة (الحشاشين) وهي في مصطلحنا المعاصر أشبه ما تكون (بميليشيا) مسلحة أو (مافيا) سرية، تلبست بهذا الاسم المنكر من حيث الجزء الفاعل والمتفوق في (استراتيجيتها) يرتكز على نبتة القنب المعروفة بالحشيشة.

ارتزقت هذه الفرقة على امتهان القتل، واحترفت السفك والترويع وفاقت في تقصد الشخصيات السياسية الضالعة في المكانة والنافذة في القرار ليس على صعيد إسلامي سني وحسب، بل وصل خنجرها إلى البلاط المسيحي حتى استكثف أمرها وطال شرها كل من حاول أن يقف حائلاً أو معادياً دون (أجندتها) الباطنية، ولك أن تتصور الطور الدامي التي بلغت آفاقه هذه الفرقة حيث تقحم سلوكها معجم الإنجليزية واجترحت بين مفرداته معنى جديداً، (Assassination الساسيشن، الحشاشين) تشير هذه المفردة إلى كل قتيل قضى نحبه غيلة، أو أزهقت حياته خلسة، أو جبراً لأي غرض سياسي. وذلك بعدما احترفت هذه الفرقة فناً جديداً في سلوك القتل والترهيب وشاع بين الأقاليم والأمم تفردها بهذا المنهج الدموي.

أعود إلى قلعة (آلموت) التي لم يدخر ابن الصباح مفاتن طبيعتها حيث قام بتجهيز جنان غناء على أبدع طراز، ثم بأخدوعة فائقة أجرى في وسطها نهرين، نهراً من عسل مصفى، وآخر من لبن سائغ، ثم انتخب لها أجمل الكواعب وأخلص الفواتن من النساء مستنسخاً حقيقة تلك الصورة من جنات عدن والحور العين التي وعد الله بها في كتابه الكريم.

إذن ما من جالب ينشر الإنس ولا باعث ينثر السرور مما تشتهيه الأنفس أو تعشقه الأعين إلا وهيأه هذا الماكر وجاء بكل أسبابه ومسبباته.

لكنّ شيئاً من كل هذا البذل والجهد سوف يذهب سدى من غير توافر الأغرار الفرائس الذي سوف يجتهد في استلاب إرادتهم، وتطويع مداركهم حسب أغراضه وغاياته الإجرامية.

يعمد ابن الصباح إلى أطفال القلعة وكل غر أو حدث متعاطف مع الفكر الإسماعيلي ثم يدفع بهم إلى محاضن تدجين تضخ في أذهانهم مبادئ الفكر وتعاليمه، والأمكر من ذلك تعظيم مبدأ الولاء والانقياد العبودي، وغرسه في شعورهم والسمو به كأرفع قيمة تعكس صدق إيمانهم ومحض إخلاصهم، حيث يرتبط هذا الولاء بعد ذلك بسلم قيادي غاية في الغموض والتعقيد تتنزل منه الأوامر وترتفع إليه الأخبار ولا يكاد يرى أو يشافه إلا من أخلص المقربين، إنك تراه ماثلاً في كل بقعة من بقاع القلعة، عليم بكل ما يدور في أرجائها، كالشبح حاضراً من غير أثر لا يصيخه سمع ولا يدركه بصر، لقد فاق ابن الصباح أن أضفى على شخصه وذكره في القلعة مسحة ألوهية أوغلت في تقديس مكانته عند أهالي القلعة وكل من سمع بذكره وخبره.

لكن ابن الصباح أكثر مستيقن أن قوى العقل مهما خنقتها، أو حبست منافذ إدراكها فإنها في أي لحظة واعية قد ترتد إلى فطرتها وتثوب إلى رشدها، فجهد هذا الخبيث الماكر إلى استئصال هذا الاحتمال من جذوره، وإخماد كل نابتة قد تفضي إلى إيقاظ سكرة بصيرته، أو تهدي ضلال رشده لضمان مضي مشروعه الإجرامي إلى غايته الوحشية، وقطع دابر أي منغص من شأنه حرفه عن وجهته، فشرع إلى استخلاص كل نابغ مما تفرزه تلك المحاضن التعليمة، ثم يبادر بالزج بهم إلى حيث المعسكرات القتالية لتدريبهم فنون القتال وتعليمهم أصول الحرب، وما إن يستوي هذا اليافع منهم على سوقه يعمد به بعدئذ إلى آخر مراحل التدجين وهي ابتلاء حيز الامتثال والانقياد عند هؤلاء الأغرار، والكشف عن ضوامر سرائرهم تجاه زعيمهم ابن الصباح والقضية الإسماعيلية، وذلك بإخضاعهم تحت أعنف الظروف النفسية ليتمحص بعد ذلك الحكم على هذا الغلام من صلاحيته إلى الانضمام حيث الكتيبة المسماة بالفدائية، لكن ليس قبل أن يأخذ منه الميثاق الغليظ على وهب حياته وما ملكت يمينه فداء لزعيم القلعة ابن الصباح تحت غطاء القضية الإسماعيلية، ونصرة أشياعها المستضعفة لينتظر كل عنصر منهم مهمته الدامية بفارغ الكرامة والحب والشغف.