و مضات سُنيّة ..بين الموصل و السعودية

 

يشهد التاريخ أن الموصل كانت من أوفى المكونات السنية، ليس في إقليم العراق وحسب بل على صعيد الأقطار العربية قاطبة، وذلك حينما كانت خاضعة لسيادة دولة الخلافة العثمانية.

الموصل لم تذعن لغواية المستعمر ولم تنضم لمرصوفة الرصاص العربي الخائن الذي حشاه المستعمر في بندقيته ليطلقها على مقاتل دولة الخلافة العثمانية الإسلامية قبيل سقوطها .

الموصل لم تكن كجارتها البصرة ذات الكثرة الشيعية ..البصرة التي ما إن تراءت وميض حذاء المستعمر الانجليزي حتى ارتمت عليه تلثمه كفراشة عمياء .. ُمحرقة عروبتها و شوائب إسلاميتها ..و آدميتها أيضا.

تأمل معي هذه الشهادة التاريخية حتى إذا سمعت أن هناك حربا على الإسلام و المسلمين فلا تصدق إلا أنها حربا على السنة وأهلها.

يحكي سليمان فيضي المناضل العروبي العراقي في مذكراته عن تلك الفترة و وعن الموصل تحديداً حينماذهب إليها عام١٩١٣ليحرض أهلها ويغريهم بالانشقاق عن دولة الخلافة والانضمام إلى ركب المطالبين بالوطن القومي العربي ونبذ دولة الخلافة العثمانية بغاوية من الإنجليز وحبائل جواسيسهم ..فتأمل ما يقول:

يقول فيضي: ( إن النزعة الدينية التي يتميز بها أهل الموصل تقف حائلا بينهم و بين التمرد على الدولة العثمانية ذات الصبغة الإسلامية والخلافة المقدسة) ويقول في موضع آخر: (إنني حين وصلت الموصل وجدت أن عدد المؤمنين بالفكرة العربية لا يتجاوز عددهم أصابع اليد )انتهى حديثه.

لهذا أعرضت الموصل ونبذت هذا المطلب الماكر و لم تبتلع ُطعم المستعمر الذي جاء بمسوغ عربي، ليس لحذق وحصافة سياسية تملكتها حينذاك ولكن من مبدأ ثوابتها وقيمها الدينية، فآثرت الطاعة وجانبت الشقاق والخروج على السلطان، مع أن الدولة في ذلك الوقت كان بنيانها يتصدع وكانت في أحط أيامها و أبأس أحوالها وكان بقاء كيانها مرهون بعامل الوقت لا غير، إلا أن هذا لم يسول لها أن تركب مراكب جيرانها أو جيران جيرانها و تلتمس لنفسها الاسباب و تركب مطية المعاذير، بل إنها لازمت مصير وطنها بغض النظر عن أي تبعات غير محمودة العقبى سوف تطالها إن هي لبثت على ذلك الموقف.

 

و المظنون بهذا الموقف العقدي أنه عزز رغبة الإنلجليز وزاد من عزيمتهم و دفع بإصرارهم في الدأب على بتر هذا العضو ال ّسني المكين من جسد الخلافة، فهم خير مجرب و أعلم خبير أن بقاء إقليم سنّي بهذا الحجم وبهذه العقيدة يعني أن الخطر لا يزال يواقع ساحتهم والساحة الأوربية قاطبة، كذلك لم يغفل الإنجليز أن أرض الموصل من أغنى الأقاليم التي تذخر كنوزا نفطية فهذا سبب يبارك إصرارهم ويمضي به إلى أقصى بعد تطاله شهوة أطماعهم، أقول :لم يكن من المستنكر في ذلك الوقت لو أمكن الإنجليز على تجزيئ ليس المدن السنّية و حسب بل وحتى الهجر المهجورة وتكوينها بعد ذلك إلى دويلات مجهرية و إعطائها حق الاستقلال والسيادة.

بعد تقويض الهيكل العثماني َحفي الإنجليز على قطع أواصر الموصل من الدولة التركية وضمها للإقليم العراقي الخاضع تحت سيادتهم، فقد دارت مداولات ( دبلوماسية )تعصى الوفاق على إثرها بين الطرفين فارتفع الخلاف إلى عصبة الأمم آنذاك، فالأتراك يصرون على تبعية الموصل وعائديتها لهم بحكم أن جيوش التحالف لم تكن تحتل الموصل ساعة انطلاق الهدنة بل إنهم قاموا باحتلالها بعد انعقاد الهدنة وهذا ما يؤكد نواياهم المبيتة من اجتزاء هذ الجزء ال ُسنّي والحاقة بإقليم العراق، فكان الانجليز يتذرعون أن الموصل جزء من إقليم العراق الذي

رسموا أطرافه بأقلامهم.

ُحسم الأمر في مؤتمر لوزان عام ١٩٢٣ وكانت صفقة سياسية خبيثة مشروطة بالتنازل عن إقليم الموصل نظير الاعتراف بدولة تركيا، وعلى كل الأحوال قضية الموصل متشعثة فلا تستطيع الحديث عنها بعيداً عن قضية الأكراد الذين تم تشطير قوميتهم بين دول أربع :عراقية و إيرانية و تركية و سورية، وكانت الموصل تقع ضمن إقليمهم العراقي .

 

لا جرم أن الدولة العثمانية كانت كابوسا مفزعا مزمنا وتجربة مريرة ما فتئت تُفزع مهاجع أوروبا وتبعث الهلع في أرجائها، لم يغالي (جون اسبوزيتو )حينما وصفها أنها (جلاد أوروبا ) وكذا لم يزغ المؤرخ (ريتشارد كنوليز )حينما قال أنها (الرعب الحالي للبشرية )بالطبع يقصد شعوب أوروبا لأنهم لا يرون سواهم من الشعوب يصدق عليه وصف البشرية، و أبعد من كل هذا أن كان في ذلك الوقت هتافات َكنَسية حاشدة تناشد أمم أوروبا بشن حملة صليية ضد الأتراك.

انهارت دولة الخلافة وظن الغرب المسيحي أنه أطفأ نائرة الإسلام وأطفأ ثائرة السنة بإسقاطها و سرقته الأخاديع التي ما انفك يحيكها و الشغل الدؤوب الذي سلطه في تفتيت أجزائها من أن هناك في جزيرة العرب مكون سنّي يستعيد حلته.. الدولة السعودية الثالثة، والثالثة ثابتة، ولم يستوحش المستعمر من الاكتساح المتسارع الذي حققته هذه الدوله على يد الإمام عبدالعزيز بل كانت قصارى حساباته السياسية تذهب أن ما يعتمل في مناحي صحراء الجزيرة محصلها أن رجل واحد منتصر سيكون بمثابة العسكري الذي يبسط هيمنته على قبائل الجزيرة المتناثرة، يدرأ شرهم و يكف شغبهم، أي أنه سيكون ُجنة قويمة  بينهم و بين صحراء الجزيرة (الفقيرة) يأتمر بأمرهم و يصدر عن رأيهم، إلا أن هذه الحِسبة الإنجليزية لم تنضبط كما ينبغي، فالرجل ينطلق من بعد تاريخي عميق و خاض معارك دامية وتقحم مهالك جسيمة لاستعادة مجد تليد، لهذا كانت الحالة السعودية مختلفة عن بقية المكونات الخليجية القابعة على ضفاف الخليج قبل استقلالها، فبجانب هذه الشرعية التاريخية التي يحوزها الإمام / عبدالعزيز كانت في قبضته قوة عسكرية قبلية باطشة تعرف باسم الإخوان، استطاع أن يصهر طاعتها تحت لواء ّ عقدي واحد، و كذا لا ننسَ العامل ( الجيوسياسي ) الذي دفع بهذا الكيان السُنّي الضخم من النهوض بشكل فتي، فهذا الإقليم الأوسط كان مهجور مزهود فيه عن كل الأطماع و التجاذبات السياسية لقوى

الاستعمار الضالعة في ذلك الوقت، فلهذا السبب كان للإنلجيز حينئذ وكلاء وطنيون في كل إقليم خليجي من شأنهم التنسيق بينهم وبين قياداتهم البريطانية لغرض توفير الدعم والحماية مقابل ضمان استقرار الأوضاع في المحيط الواقع تحت حاكمية تلك الأسر، لكن في واقع الأمر لم يكن في أي إقليم خاضع لسيادة الإمام عبدالعزيز وكيل واحد من أولئك الإنجليز.

بعد ذلك سرعان ما دخلت الأراضِ  المقدسة في طوع الإمام وتدفقت أنهار البترول ِجزالا تجري من تحت قدمية ولا أخال هذه الأعطية سوى مكرمة رحمانية لما بعد ذلك.. فقد برزت النسخة الإسلامية ذات القوام الدولي السُنّي الضارب في الرسوخ، تعلن عن بعث العقيدة السنية السلفية الناهضة من ذات الجغرافيا و بين بُرديها ذات العرق ..العقيدة السنية التي تعرفها كل الأمم و بالأخص الأوروبية.. أليس في خزائنها جل مدوناتنا الإنسانية..! وهي تعلم أكثر من سواها عن عامل العقيدة و ما ذا يصنع إذا انعقد على أفئدة الشعوب أن له أثر أشد من أثر السحر.. يقول: جوستاف لوبون عن العقيدة وأثرها في حياة الشعوب (أن العبادة المتعصبة لروما كانت هي العقيدة الإيمانية التي جعلت من الرومان أسياد العالم .لكن ما إن ماتت هذه العقيدة حتى انهارت روما ولم يستطع البرابرة الذين دمروا الحضارة الرومانية أن يتوصلوا إلى بعض التماسك والخروج من حالة الفوضى إلا بعض العقائد المشتركة (وفي سياق آخر يقول:( و إذ ما تشكلت العقيدة و رسخت نهائياً فإنه يصبح من المستحيل الإطاحة بها لمدة طويلة)

 

فهل علمت إذاً على من تُدار الدوائر هذا اليوم..؟ إنها الحرب على السنة و حسب، وتداعِ الأمم الذي أخبر عنه الصادق المصدوق عليه الصلاة و السلام تجده شاخص  أمامك، الولايات المتحدة و الروس و الفرس والعرب و من  ورائهم اليهود.. نعم فهذا مفهوم الأمم، ليس مفهومها الدول أو الشعوب، و إنما مقصودها النحل و الأعراق و المشارب وكل من يناهض هذه الملة الصحيحة.. و إلا على من يجتمع الأن في زمن واحد، المسيحي و المجوسي و الرافضي و النصيري و الإثني عشري و الزيدي..

المشهد يجيبك..

.