مجاعة الزعامة 2/2

النفثة المسحورة:

لما انسابت تلك الثورات الغضبى صوب الشرق المنكود، كالنفثة المسحورة ما إن تلامس عروش الجبابرة حتى تخالها ومن عليها كالهباء ، رجفة حاقت بأذهان الشعوب العربية قاطبة من جراء تهاوي السلاطين بهذا المشهد (السحري) …..عنوانها :
أن لو كانت تلك الشعوب المسكينة تعلم الغيب ….. ( ما لبثوا في العذاب المُهين).!

والحق أنه عذاب مُهين ذلك الذي جعل الاحتراق السبيل الأخير للتعبير عن الحالة والمشاعر اللتين يعانيهما الفرد .

وان تفوقت النظم العربية وقطفت ثمرة جهودها أن أوصلت الفرد إلى تلك الحالة من القنوط واليأس المتناهي إلى درجة الزهد في الحياة والخلاص منها بأبشع الصور ، فإنها كذا نجحت على صعيد آخر في ارتسام حالة الجذل والاحتفال التي رانت على محيا المشهد العربي إزاء تلك الثورة وما تلاها ، حتى خيل إليك أنك تعيش   نسخة ثانية من ( نصر الله والفتح ) . مما أغرى المزيد من حالات الاحتراق الذاتي تجوب الأقطار العربية ظناً أن كل زعيم سوف يرى تلك الشعلة الجسدية الملتهبة سوف يرسل قدميه للريح غير معقب كما فعل ابن علي ( الهارب )  في مشهد يحاكي ما يقرأ في روايات( هاري بوتر ) السحرية، بلا ريب أن الذائقة العربية ( العاطفية ) استطعمت ذلك والتهمت الكثير من التفاصيل بمسوغ إعلامي مكين…!

ثورة لأجل ثورة:

وتاريخ العرب الحديث متخم بالثورات .. وكلها بائرة، بل إن المردة الذين نراغمهم اليوم جاءوا على جناح ثورات سابقة مبشرين بميلاد العهد الجديد.. ميلاد الرخاء و الرفاه والكرامة، وقد كانت الشعوب تخلع عليهم أجل الألقاب وفي الميادين تهتفهم بأكمل الأسماء  وأنبل الصفات.. مع بطونهم الضامرة ..ووجوههم الشاحبة من سيما الجوع والعنت.!

وفي العهد القريب اجتثت ( أمريكا ) نظام البعث العراقي ( المستبد ) من جذوره من غير مؤونة ( ثورية )  وحل نظام ( مهجن ) يزعم أنه تسنم السلطة بإرادة الشعب المحضة وعبر صناديق الاقتراع (الفارغة) … وبغض النظر عن ( التراجيديا) العراقية التاريخية كان المنتظر من أي نظام أو حكومة جديدة في النطاق  العربي، اختزال التجربة السياسية العربية بتلافى مثالبها وسوءاتها التي اعتورت مسيرتها على مر الحقب الفائتة، غير أن تلك الحكومة الجديدة لم تكتف بالمصادقة على خيبة العرب السياسية وحسب، بل إنها انتحلت  سلوكات كانت الذائقة العربية الأخلاقية البدائية  تأنف من ذكرها وتترفع عن إتيانها، ثم إن كل رذيلة سياسية ومتلفة إدارية لم تتورع في الولوغ فيها باقتدار  قذر حتى باتت العراق منافساً ضارياً على سيادة قائمة الفساد العالمية ….  ثم أمست العراق كما نرى ( قطعة مَهينة من أرض فارس المجوسية ) وبكل جنون نراها  اليوم لا تفتأ رقصاً على إيقاع البارود الدامي.

إن عاقل العراق اليوم لا بد أنه يتذكر سترة صدام العسكرية وكأنها  بردة  عمر بن عبد العزيز رحمه الله…..!

وتلك ومضة صدوق وإن عكست إجمالا واقعا من فقر العقل العربي السياسي مع كريم  الفرص التي لاحت له لتقديم مشروعه السياسي( العرقي ) المزعوم بعد تحلله  من ثوب الإسلام ، ومدى العوز والبؤس الذي يعتري أدواته السياسية ، إلا أنها تصادق بجلاء حول حقيقة الثورات العربية وكنهها وأنها لازالت مفرغة من أي محتوى نهوضي، وأنها تذهب بعد رحيل النظام أو سقوطه إلى فوضى عارمة تعطي الشرعية الحتمية لتخلّق شخصية (الدكتاتور)  أو الطاغوت العربي الجديد .والإرهاصات تطفوا الآن على المشهد التونسي والمصري على حد سواء، ولكن في الحالة المصرية فإنها احدوثة  تخالها من شوارد ( صندوق العجائب)، مثخنة بالأشجان متخمة بالعبر:

فاصل ….ثوري:

في مصر  دوّت صرخة المضنوكين في وجه ( الزعيم المخضرم ) حتى نبذته خارج أسوار الملك، في مشهد طافح بالخزي ناضح بالعار ، لقد كان يعتصر كبرياء سني ملكة المجيد يتسول منها قطرات من كرامة يواري بها سؤدده العتيق، ولكن ليت شعري، فلات حين سامع .
استحالت الأفواه بنادقا والصريخ رصاصا وسُكّرت الأبصار وصمت الآذان ، فتزلزلت أركان الجبروت وتمزقت أوصال البطش وانفجرت أرض الكنانة في بضع ليال حسوما،…… فيا للعجب ……!

غادر المسكين أسيفاً والكمد يأكل جوفه الموجوع ،غادر المسكين والأثاث والرياش وسرادق القصر العثماني المشيد يزفون خطاه الأخيرة همساً بصوت واحد حسير:
رزقت ملكا لم أحسن سياسته *** وكل من لا يسوس الملك يخلعه

والمشهد الذي كان ينازع الظهور في الحكاية المصرية والتهمته
العاطفة العربية بوازع من الآلة الإعلامية العربية العتيدة ،أن حالة الإذعان والسكينة التي تغشت ( الزعيم ) وعبق الموادعة التي رانت على كلماته ساعة الاحتضار ( السياسي ) الأليم، ليست محض إنابة وتراجعات سياسية وحسب، بالتأكيد ..أن الأمر ليس كذلك….

ألم تروا ذاك ( المارد) الأمريكي الجاثم على صدره يرقب سكناته وحركاته… كان يعدد أنفاسه ، لقد كان يجرعه الشواظ ، والحق أنه ما كان يسيغه غير أن أدوات ( الأسطورة) تفوق معطيات (الحقيقة) بكثير ….. لقد ابتلعه المارد وكأن لم يغن في الحياة.. إنه أوان الوفاء أيها الزعيم..  فما كانت ( سماء القاهرة بدولارات أمريكا ممطرة ) لأجل بريق عينيك العربيتين الكريمتين، ثم استدبر هذا المارد الشرق المحترق وثمة شعب عربي يئن  ولا أثر له ولا خبر ولعله تلاشى في قمقمه التليد يغط في سبات أبدي….!

 أطوار طاغوتيه:

هنا لسنا بحاجة  أن نستعرض  مسار الموجة الثورية العربية حتى نهايتها والتي بدأت تأخذ شكلا يتفق بالفعل والطبيعة السياسية العربية التقليدية حيث التعامل بمهنية فائقة وإنسانية متناهية مع أحوال التبرم الشعبي ولو كان مجرد من أي (نزوة سياسية) فإن معاني (القمع و التنكيل ) سوف تنتهض وتبعث على الفور وتشرع  تأخذ أدوارها الاعتيادية ،
أقول:

لو أن التجربة الثورية الأولى انطلقت من البوابة السورية أشك أنها سوف تتجاوزها و تواصل سيرورتها بانسياب مروراً بباقي الأقطار العربية  ، فالمعلوم أن النظام السوري الراهن أطبق على مفاصل الحكم بتفوق بعد أن أسدل الستار على مسرح الانقلابات الدامية التي اعترت الساحة السياسية السورية بُعيد الاستقلال، ولكنه خرج من تلك التجربة (كالكلب العقور) الذي  استقرت مشاعره و مداركه بين فكيه،  فما عاد يحسن  من السلوك سوى العض والنهش،  ومن بعد  مجزرة حماة… ملحمة النظام الوحشية ..ميلاد الذعر والرهق والمسغبة.. لقد كان شطر البارود الذي غشى حماه  والعسكر الذين دهموها كفيلين بتطهير الجولان المغتصبة واسترجاعها، ولو قدر واستمرت جذوة الهمة الفاجرة التي ساقت ذلك، لا نجازف لو قلنا  أيضاً.. شيء من أرض فلسطين المحتلة .

لقد باتت تلك المجزرة أشبه بينبوع الخوف الدافق يروي منابت الموادعة والتسليم والمصابرة بل والمدافعة أيضاً  لأي خاطرة شقية تتوجس أحوال التبرم والضجر  من تلك الأغلال الثقال التي ضربها هذا النظام ( العربي ) الغاشم .

بعد هذا أيقن السوريون  أنهم إزاء نظام بالفعل قد (استكلب )  ولا  طاقة لهم ولا سبيل  بدفعة وعليه يتوجب أن ( لا يعدلوا بالسلامة شيء)…ولكن.. للأسف .. أن الإمعان في تعاطي حالة قهرية كتلك أقل ما تورث هو هالة  التقدس التي سوف تحوط الزعيم وكل شيء يقوم مقامه  ،فالحياة سوف تدور في فلكه ، وإيقاعها  سيغدو مُسبحاً بحمده مقدساً له، ثم أن أي شذوذ عن تلك الوتيرة  الجبرية و التناغم القسري سوف يعد مروقاً عن المشيئة يوجب النكال والعذاب الأليم ، والإبادة التي يتعاطها هذا النظام الفاجر ضد شعب بأكمله تصادق على أن هذا المفهوم استبد به وأنه يتيه في طور مجنون من أطواره وهو : أن هذا (الطاغوت) يزمع أن يسحق هذا الشعب عن بكرته ويأتي ( بشعب جديد). يحكمهم حسب مشيئته.

بين ثورتين …ومضة:

بين الحالة المصرية والسورية ،الفائدة اللامعة تقول:

أن التجربة السياسة العربية تبوء بجلاء أنه كل ما استبد النظام الحاكم بالسلطة واستقل بعراها وتحرر من أي قيود خارجية ضاغطة تفرضها المصالح والمنافع المشتركة فأنه يستحيل إلى جبار عاتٍ متغطرس، وأن مقدرات البلاد ملك مشروع له ولأهله، وأن الشعب مسخر في خدمته أو كأنه من بواقي ( جاهه ) ، و لا يتورع عن فعل أي أمر يعزز به سلطانه ويوطد به جبروته .

إذاً..

لا زال من صالح جل الشعوب العربية أن تكون رقاب أنظمتها الحاكمة ( الواهنة) في قبضة الغير من (القوى الأجنبية ) درءا لوابل البارود الغضوب الذي يستشعر أحوال التأفف والتسخّط الشعبي عن بعد.

لجينيات ٢٠١١/٨

محمد بن إبراهيم الهدلق