مجاعة الزعامة 2/2

النفثة المسحورة:

لما انسابت تلك الثورات الغضبى صوب الشرق المنكود، كالنفثة المسحورة ما إن تلامس عروش الجبابرة حتى تخالها ومن عليها كالهباء ، رجفة حاقت بأذهان الشعوب العربية قاطبة من جراء تهاوي السلاطين بهذا المشهد (السحري) …..عنوانها :
أن لو كانت تلك الشعوب المسكينة تعلم الغيب ….. ( ما لبثوا في العذاب المُهين).!

والحق أنه عذاب مُهين ذلك الذي جعل الاحتراق السبيل الأخير للتعبير عن الحالة والمشاعر اللتين يعانيهما الفرد .

وان تفوقت النظم العربية وقطفت ثمرة جهودها أن أوصلت الفرد إلى تلك الحالة من القنوط واليأس المتناهي إلى درجة الزهد في الحياة والخلاص منها بأبشع الصور ، فإنها كذا نجحت على صعيد آخر في ارتسام حالة الجذل والاحتفال التي رانت على محيا المشهد العربي إزاء تلك الثورة وما تلاها ، حتى خيل إليك أنك تعيش   نسخة ثانية من ( نصر الله والفتح ) . مما أغرى المزيد من حالات الاحتراق الذاتي تجوب الأقطار العربية ظناً أن كل زعيم سوف يرى تلك الشعلة الجسدية الملتهبة سوف يرسل قدميه للريح غير معقب كما فعل ابن علي ( الهارب )  في مشهد يحاكي ما يقرأ في روايات( هاري بوتر ) السحرية، بلا ريب أن الذائقة العربية ( العاطفية ) استطعمت ذلك والتهمت الكثير من التفاصيل بمسوغ إعلامي مكين…!

ثورة لأجل ثورة:

وتاريخ العرب الحديث متخم بالثورات .. وكلها بائرة، بل إن المردة الذين نراغمهم اليوم جاءوا على جناح ثورات سابقة مبشرين بميلاد العهد الجديد.. ميلاد الرخاء و الرفاه والكرامة، وقد كانت الشعوب تخلع عليهم أجل الألقاب وفي الميادين تهتفهم بأكمل الأسماء  وأنبل الصفات.. مع بطونهم الضامرة ..ووجوههم الشاحبة من سيما الجوع والعنت.!

وفي العهد القريب اجتثت ( أمريكا ) نظام البعث العراقي ( المستبد ) من جذوره من غير مؤونة ( ثورية )  وحل نظام ( مهجن ) يزعم أنه تسنم السلطة بإرادة الشعب المحضة وعبر صناديق الاقتراع (الفارغة) … وبغض النظر عن ( التراجيديا) العراقية التاريخية كان المنتظر من أي نظام أو حكومة جديدة في النطاق  العربي، اختزال التجربة السياسية العربية بتلافى مثالبها وسوءاتها التي اعتورت مسيرتها على مر الحقب الفائتة، غير أن تلك الحكومة الجديدة لم تكتف بالمصادقة على خيبة العرب السياسية وحسب، بل إنها انتحلت  سلوكات كانت الذائقة العربية الأخلاقية البدائية  تأنف من ذكرها وتترفع عن إتيانها، ثم إن كل رذيلة سياسية ومتلفة إدارية لم تتورع في الولوغ فيها باقتدار  قذر حتى باتت العراق منافساً ضارياً على سيادة قائمة الفساد العالمية ….  ثم أمست العراق كما نرى ( قطعة مَهينة من أرض فارس المجوسية ) وبكل جنون نراها  اليوم لا تفتأ رقصاً على إيقاع البارود الدامي.

إن عاقل العراق اليوم لا بد أنه يتذكر سترة صدام العسكرية وكأنها  بردة  عمر بن عبد العزيز رحمه الله…..!

وتلك ومضة صدوق وإن عكست إجمالا واقعا من فقر العقل العربي السياسي مع كريم  الفرص التي لاحت له لتقديم مشروعه السياسي( العرقي ) المزعوم بعد تحلله  من ثوب الإسلام ، ومدى العوز والبؤس الذي يعتري أدواته السياسية ، إلا أنها تصادق بجلاء حول حقيقة الثورات العربية وكنهها وأنها لازالت مفرغة من أي محتوى نهوضي، وأنها تذهب بعد رحيل النظام أو سقوطه إلى فوضى عارمة تعطي الشرعية الحتمية لتخلّق شخصية (الدكتاتور)  أو الطاغوت العربي الجديد .والإرهاصات تطفوا الآن على المشهد التونسي والمصري على حد سواء، ولكن في الحالة المصرية فإنها احدوثة  تخالها من شوارد ( صندوق العجائب)، مثخنة بالأشجان متخمة بالعبر:

فاصل ….ثوري:

في مصر  دوّت صرخة المضنوكين في وجه ( الزعيم المخضرم ) حتى نبذته خارج أسوار الملك، في مشهد طافح بالخزي ناضح بالعار ، لقد كان يعتصر كبرياء سني ملكة المجيد يتسول منها قطرات من كرامة يواري بها سؤدده العتيق، ولكن ليت شعري، فلات حين سامع .
استحالت الأفواه بنادقا والصريخ رصاصا وسُكّرت الأبصار وصمت الآذان ، فتزلزلت أركان الجبروت وتمزقت أوصال البطش وانفجرت أرض الكنانة في بضع ليال حسوما،…… فيا للعجب ……!

غادر المسكين أسيفاً والكمد يأكل جوفه الموجوع ،غادر المسكين والأثاث والرياش وسرادق القصر العثماني المشيد يزفون خطاه الأخيرة همساً بصوت واحد حسير:
رزقت ملكا لم أحسن سياسته *** وكل من لا يسوس الملك يخلعه

والمشهد الذي كان ينازع الظهور في الحكاية المصرية والتهمته
العاطفة العربية بوازع من الآلة الإعلامية العربية العتيدة ،أن حالة الإذعان والسكينة التي تغشت ( الزعيم ) وعبق الموادعة التي رانت على كلماته ساعة الاحتضار ( السياسي ) الأليم، ليست محض إنابة وتراجعات سياسية وحسب، بالتأكيد ..أن الأمر ليس كذلك….

ألم تروا ذاك ( المارد) الأمريكي الجاثم على صدره يرقب سكناته وحركاته… كان يعدد أنفاسه ، لقد كان يجرعه الشواظ ، والحق أنه ما كان يسيغه غير أن أدوات ( الأسطورة) تفوق معطيات (الحقيقة) بكثير ….. لقد ابتلعه المارد وكأن لم يغن في الحياة.. إنه أوان الوفاء أيها الزعيم..  فما كانت ( سماء القاهرة بدولارات أمريكا ممطرة ) لأجل بريق عينيك العربيتين الكريمتين، ثم استدبر هذا المارد الشرق المحترق وثمة شعب عربي يئن  ولا أثر له ولا خبر ولعله تلاشى في قمقمه التليد يغط في سبات أبدي….!

 أطوار طاغوتيه:

هنا لسنا بحاجة  أن نستعرض  مسار الموجة الثورية العربية حتى نهايتها والتي بدأت تأخذ شكلا يتفق بالفعل والطبيعة السياسية العربية التقليدية حيث التعامل بمهنية فائقة وإنسانية متناهية مع أحوال التبرم الشعبي ولو كان مجرد من أي (نزوة سياسية) فإن معاني (القمع و التنكيل ) سوف تنتهض وتبعث على الفور وتشرع  تأخذ أدوارها الاعتيادية ،
أقول:

لو أن التجربة الثورية الأولى انطلقت من البوابة السورية أشك أنها سوف تتجاوزها و تواصل سيرورتها بانسياب مروراً بباقي الأقطار العربية  ، فالمعلوم أن النظام السوري الراهن أطبق على مفاصل الحكم بتفوق بعد أن أسدل الستار على مسرح الانقلابات الدامية التي اعترت الساحة السياسية السورية بُعيد الاستقلال، ولكنه خرج من تلك التجربة (كالكلب العقور) الذي  استقرت مشاعره و مداركه بين فكيه،  فما عاد يحسن  من السلوك سوى العض والنهش،  ومن بعد  مجزرة حماة… ملحمة النظام الوحشية ..ميلاد الذعر والرهق والمسغبة.. لقد كان شطر البارود الذي غشى حماه  والعسكر الذين دهموها كفيلين بتطهير الجولان المغتصبة واسترجاعها، ولو قدر واستمرت جذوة الهمة الفاجرة التي ساقت ذلك، لا نجازف لو قلنا  أيضاً.. شيء من أرض فلسطين المحتلة .

لقد باتت تلك المجزرة أشبه بينبوع الخوف الدافق يروي منابت الموادعة والتسليم والمصابرة بل والمدافعة أيضاً  لأي خاطرة شقية تتوجس أحوال التبرم والضجر  من تلك الأغلال الثقال التي ضربها هذا النظام ( العربي ) الغاشم .

بعد هذا أيقن السوريون  أنهم إزاء نظام بالفعل قد (استكلب )  ولا  طاقة لهم ولا سبيل  بدفعة وعليه يتوجب أن ( لا يعدلوا بالسلامة شيء)…ولكن.. للأسف .. أن الإمعان في تعاطي حالة قهرية كتلك أقل ما تورث هو هالة  التقدس التي سوف تحوط الزعيم وكل شيء يقوم مقامه  ،فالحياة سوف تدور في فلكه ، وإيقاعها  سيغدو مُسبحاً بحمده مقدساً له، ثم أن أي شذوذ عن تلك الوتيرة  الجبرية و التناغم القسري سوف يعد مروقاً عن المشيئة يوجب النكال والعذاب الأليم ، والإبادة التي يتعاطها هذا النظام الفاجر ضد شعب بأكمله تصادق على أن هذا المفهوم استبد به وأنه يتيه في طور مجنون من أطواره وهو : أن هذا (الطاغوت) يزمع أن يسحق هذا الشعب عن بكرته ويأتي ( بشعب جديد). يحكمهم حسب مشيئته.

بين ثورتين …ومضة:

بين الحالة المصرية والسورية ،الفائدة اللامعة تقول:

أن التجربة السياسة العربية تبوء بجلاء أنه كل ما استبد النظام الحاكم بالسلطة واستقل بعراها وتحرر من أي قيود خارجية ضاغطة تفرضها المصالح والمنافع المشتركة فأنه يستحيل إلى جبار عاتٍ متغطرس، وأن مقدرات البلاد ملك مشروع له ولأهله، وأن الشعب مسخر في خدمته أو كأنه من بواقي ( جاهه ) ، و لا يتورع عن فعل أي أمر يعزز به سلطانه ويوطد به جبروته .

إذاً..

لا زال من صالح جل الشعوب العربية أن تكون رقاب أنظمتها الحاكمة ( الواهنة) في قبضة الغير من (القوى الأجنبية ) درءا لوابل البارود الغضوب الذي يستشعر أحوال التأفف والتسخّط الشعبي عن بعد.

لجينيات ٢٠١١/٨

محمد بن إبراهيم الهدلق

مجاعة الزعامة 2/1

واﻟﺰﻋـﻴﻢ اﻟﻌـﺮﺑﻲ ﻳﺘـﺴﻨﻢ اﻟـﺴﻠﻄﺔ وﻳﻌـﻠﻢ ﻳﻘﻴـﻨﺎً أن ﻟﻦ ﻳﺒﺎرﺣـﻬﺎ ﻫﻮ وذرﻳـﺘﻪ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ وﻟﺞ

(اﳉـﻤﻞ ﻓﻲ ﺳﻢ اﳋـﻴﺎط) ذﻫـﺎﺑﺎً إﻳـﺎﺑﺎ إﻟﻰ ﻳﻮم اﻟﺪﻳﻦ ، ﻓﺎﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ وﻣﻌﺎﻧﻴـﻬﺎ ﳑﺎ ﺟﺒـﻠﺖ ﻋﻠﻴـﻬﺎ
ﻓﻄﺮﺗﻪ، وﻣﻔﺮدﺗـﻬﺎ اﻧﺘـﺴﺠﺖ ﻣﻊ وﻋـﻴﻪ ﻣﻨﺬ أﻣﺪ ، ﻏـﻴﺮ أن اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻷول ( اﳉﺎﻫﻠﻲ ) ﻛﺎن
ﻳﺮوﻣﻬﺎ وﻳﺘﺮﻗﻰ ﻓﻲ ﻣﻌﺎرﺟﻬﺎ ﺑﺠﻤﻠﺔ ﻣﻦ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ واﳌﻌﺎﻧﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﺴﻤﻮ ﺑﻪ ﺑﻌﻴﺪاً ﻋﻦ اﻷﺛﺮة
و ﺣﻆ اﻟﻨــﻔﺲ ، وﻛﻠــﻤﺎ أوﻏﻞ ﻓﻲ ﺗﻌﺎﻃﻴﻬــﻤﺎ  و أسرف في ﺗﻌﻈﻴﻤﻬــﻤﺎ ﻛﻠــﻤﺎ ﲡﺬّر اﺳﺘﺤﻘﺎﻗﻪ ﻓﻲ السيادة والشرف والمآل الإجتماعي المجيد ، وﻧـﺤﻦ ﻧـﻘﻮل ﻫﺬا ﺑﺤـﻜﻢ أن اﳊﺮاك اﻟﻌـﺮبي
ﺟﻤـﻠﺔ ﻛﺎن ﻗـﺒﻞ اﻹﺳﻼم ﻻ ﻳـﻌﺪو ﻧـﻄﺎق اﻟﻘﺒﻴـﻠﺔ ذات اﻟﻨـﻤﻂ اﳊـﻴﺎﺗﻲ اﻟﺒـﺴﻴﻂ ﻋـﻠﻰ ﺷﺘﻰ
اﻟــﺼﻌﺪ ،أﻣﺎ اﻟﻌــﺮﺑﻲ ( اﳊﺪﻳﺚ ) ﻓــﻠﻢ ﺗﻜــﺸﻒ ﲡﺮﺑــﺘﻪ اﻟﺴﻴــﺎﺳﻴﺔ ﺳﻮى ﺟــﻮﻋﺔ ﺳﻠﻄﻮﻳﺔ
ﻣـــﺠﺮدة ﻣﻦ أي ﻣﻌـــﻨﻰ ﻣﻦ ﻣـــﻌﺎﻧﻲ اﻷ ﺳﻼف اﻟﻔـــﺎﺿﻠﺔ ،واﺳﺘﺌﺜﺎر ﺻﺎرخ ﺑـــﺄﺳﺒﺎﺑﻬﺎ
،وﻣﺴﺒﺒﺎﺗﻬﺎ ، ﻟﺬا ﺣﻮت ﺑﻮاﻛﻴﺮﻫﺎ ﻋﺠﺒﺎً ﻣﻦ اﻟﺴﻔﻪ واﻟﻄﻴﺶ واﳌﺮاﻫﻘﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ اﳌﻨﻜﺮة
وﻻ ﺗﺜﺮﻳﺐ ..! إذا ﻋﻠﻤـﻨﺎ أن آﺧﺮ ذﻛﺮى ﻟﻠﻌـﺮﺑﻲ ﺑﺎﻟـﺪوﻟﺔ واﻟـﺴﻠﻄﺎن ﺑـﻌﺪﻣﺎ ﲤـﺰﻗﺖ أﺷﻼء
اﳌﺴﺘﻌـﺼﻢ اﻟﻌﺒـﺎﺳﻲ ﲢﺖ ﺳﻨﺎﺑﻚ ﺧـﻴﻞ اﻟﺘـﺘﺎر وﺳﻘﻮط اﳋﻼﻓﺔ، ﻓـﻠﻢ ﺗـﻘﻢ ﻟﻪ ﺑـﻌﺪ ذﻟﻚ
ﻗﺎﺋﻤﺔ، ﺗﺬﻛﺮ واﻧﺘﺒﺬ ﻣﻦ ردﻫﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻫﺎﻣﺸﺎً ﻗﺼﻴﺎً ﻻ ﻳﻌﺘﺪ ﺑﻪ ﻓﻲ دﻳﻮان اﻷﱈ، ﺣﺘﻰ
ﺳﻘﻄﺖ دوﻟﺔ اﳋﻼﻓﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧــﻴﺔ ) اﻟﺘﺮﻛــﻴﺔ( وﻗﺪ ﻛﺎن ﺧﻨــﺠﺮاً ﻣﻜﻴــﻨﺎً أورده
اﳌـﺴﺘﻌﻤﺮ ﺑﺤﺮﻓـﻴﺔ ﻓﺎﺋـﻘﺔ ﻓﻲ ﺧـﺎﺻﺮﺗﻬﺎ، ﺣﻴﻨـﻤﺎ أﻏﺮاه ودﻻّه ﺑﺎﻟـﺪوﻟﺔ واﻟـﺴﻠﻄﺎن ﻣﻦ ﺣـﻴﺚ ﻋﺮﻗﻪ ذي اﻟﻘﺪاﺳﺔ اﳌﻮﻫﻮﻣﺔ ﺛﻢ ﻃﻔﻖ ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ ﳝﻨﻴﻪ وﻳﻌﺪه.. وﻟﻴﺖ ﺷﻌﺮي..

فهل(ﻳﻌﺪ اﻟﺸﻴﻄﺎن إﻻ ﻏﺮورا)..

ﻏﻔﻮة .. ﻋﻠﻰ ﻣﺮﻗﺪ اﻟﺸﻴﻄﺎن:

وﻓﻲ ﳊـﻈﺔ زﻣﻨـﻴﺔ ﺛﻤـﻠﺔ، أو ﻗﻞ ﻧﻔـﺤﺔ )ﺑﺮزﺧـﻴﺔ( ﺗﻐـﺸﺖ اﳌـﺸﺮق اﳉـﺪﻳﺪ، اﻧـﺼﻬﺮت ﻓﻲ
ﻏـﻀﻮﻧﻬﺎ ﻛﻞ اﻟـﺜﻮاﺑﺖ واﳌـﺒﺎدئ اﻟﺘﺎرﻳﺨـﻴﺔ وأﺿﺤﺖ اﻟﻬـﻤﻮم اﻟﻌﺮوﺑـﻴﺔ واﻵﻣﺎل اﻟـﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ
ﻓﻲ ﺣﻘﻴﺒﺔ ( واﺣﺪة ) ﻳﺘﺄﺑﻄﻬﺎ اﳌﺴﺘﻌﻤﺮ أنّى ذﻫﺐ ﻓﻲ اﶈﺎﻓﻞ اﻟﺪوﻟﻴة.. ﻣﻊ ﻗﻠﻴﻞ ﻣﻦ
اﻟﻐﻀــﺎﺿﺔ ﺗــﺴﺘﻄﻴﻊ اﻟــﻘﻮل ﻓﻲ ﻏــﻤﺮة ﺗــﻠﻚ اﻟﻐــﻔﻮة (اﻷﺧﻼﻗــﻴﺔ اﻟﺴﻴــﺎﺳﻴﺔ ) أن اﻟﻌــﺮوﺑﺔ
واﻟـﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ أﺻﺒﺤﺘﺎ وﺟﻬـﲔ ﻟﻌﻤـﻠﺔ ﺳﻴـﺎﺳﻴﺔ واﺣـﺪة.واﻟﺬي ﻗﺎم ﺑـﺴﻚ ﺗـﻠﻚ اﻟﻌﻤـﻠﺔ ﻫﻮ
.،!..ﻣﻦ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ وﺣﺪه ﺻﺮﻓﻬﺎ ﻓﻲ اﻷﺳﻮاق اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ
ﻟﻘﺪ اﺳﺘﻨﻬﺾ اﳌﺴﺘﻌﻤﺮ اﻟﻐﺮﺑﻲ )اﻟﺬِﻛﺮ( اﻟﻌﺮوﺑﻲ اﳋﺎﻣﻞ و ﺑﻌﺜﻪ ﺟﺴﺪ ﻋﺎرﻳﺎً ﻣﺠﺮدًا ﻣﻦ
ﺷﻌﺎره ودﺛﺎره وأي أﺛﺮ ﻳﺬﻛّﺮه بذكر ( اﻹﺳﻼم ) وﻣﺬ ﺗـﻠﻚ اﳊﻘـﺒﺔ ﺣﺘﻰ اﻟـﻴﻮم ﻣﺎ اﻧـﻔﻚ ﻫﺬا
اﳉﺴﺪ اﻟﻮاﻫﻦ اﻟﻔﻘﻴﺮ ﻳﺘﺮﻧﺢ ﻳﺒﺤﺚ عمَ ﻳﻮاري ﺳﻮأﺗﻪ .. ! ﻟﻘﺪ ﲤﺮغ ﺑﺘﻔﺮد واﻣﺘﻴﺎز ﻓﻲ
أوﺣﺎل  ﻣﺎ ﺧﻠﻔـﺘﻪ اﻟﺘﺠـﺮﺑﺔ اﻹﻧـﺴﺎﻧﻴﺔ اﻟﻔﻜـﺮﻳﺔ اﻟﻘـﺎﺻﺮة وﻣﺎ ﻓﺘﺊ ﺣﺘﻰ اﻟـﺴﺎﻋﺔ ﻓﻲ دأب
ﻳﻠـﻬﺚ ، وﺑـﻌﺪ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻧـﺼﻒ ﻗﺮن، ﻟﻚ أن ﺗﺘـﺄﻣﻞ ﻋـﻠﻰ رﻗـﻌﺔ اﻟـﻮاﻗﻊ اﻟـﺼﺮﻳﺢ، اﻟﻜـﻴﺎن
اﻟــﺼﻬﻴﻮﻧﻲ ) اﻟﺪﻋﻲ ( واﻟﻜــﻴﺎن اﻟﻌــﺮﺑﻲ ) اﻷﺻﻴﻞ (، ﺑــﻌﺪ أن ﺗــﺮﻛﻞ ﻣﻦ ذﻫــﻨﻚ ﻓــﻜﺮة
اﳌﺆاﻣﺮة اﻟﻐﺎوﻳﺔ اﻟﺘﻲ أوردﺗﻨﺎ اﳌﻬﺎﻟﻚ، وﻣﻜﺎﺋﺪ اﻟﻌﺪى وﺣﺒﺎﺋﻠﻬﻢ اﻟﻔﻜﺮﻳﺔ اﳋﺒﻴﺜﺔ ،وأﻧﻬﻢ
ﻓﻲ ﺷﻐﻞ ﻳﺘﺮﺑـﺼﻮن ﺑـﻨﺎ اﻟﺪواﺋﺮ…إذاً: ﻟﻦ ﺗﺘـﺄﺳﻰ ﺳﻮى ﻋـﻠﻰ ﻣﻦ أذﻫـﺒﻮا ﺷﻄﺮ ﺣـﻴﺎﺗﻬﻢ
ﺣـﺴﺮات ﻳﻨـﺸﺪون اﻟـﺴﺒﻴﻞ وﻳﺘﺤﻴـﻨﻮن اﻟـﻀﺎﻟﺔ ﺣﻮل ﺳﺮ ﺣَﺮن ﻫﺬا ( اﻟـﻌﺮق ) ﻓﻲ ﻣـﺮﺑﺾ
اﻟﺘﺨــﻠﻒ اﻷﳑ ﻲ وأﻧﺖ ﺗــﻘﺮأ ﺣﻮل اﻟﻨﻬــﻀﺔ اﻟﻌﺮﺑــﻴﺔ وﻧــﻘﺪ اﻟﻔــﻜﺮ واﻷﺧﻼق واﳋﻼص
اﻟﻌﺮﺑﻲ، وﻛﺄن ذاك اﻟﻌﻨﺼﺮ ﺑﺎت ﻣﻦ أﺳﺮار اﻟﻜﻮن وﻏﻮاﻣﺾ اﻟﺪﻫﺮ وﻟﻢ ﻳﺰدد اﳊﺎل اﻟﻌﺮﺑﻲ بذلك ( إلا خبالا )

اﻟﺴﻠﻄﺎن و اﳌﺘﺴﻠﻂ ﻋﻠﻴﻪ:

ﻣﺎ إن ﺷﺮع اﳌـﺴﺘﻌﻤﺮ ﻳﺘـﺠﺎوز ﺗـﺨﻮم اﻟـﻌﺮب ﺣﺘﻰ ﻫﺮع ﻛﻞ ﻣﻦ ﻳﺮى أﻧﻪ ﺧﻠـﻴﻖ ﺑﺎﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ
ﺻﻮب ﺑﻨﺪﻗﻴﺘﻪ اﳌﺴﺘﻌﺪة ﻟﻠﻔﺘﻚ ﺑﻜﻞ ﻣﻦ ﺗﺴﺎوره ذاﺗﻪ ﺑﺤﻠﻢ اﻟﺘﺰﻋﻢ واﻟﺮﺋﺎﺳﺔ ، ﻓﻲ ﺳﺒﻴل
ذﻟﻚ ﻃﻔﻘﺖ اﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﳉﻤﺎﺟﻢ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺗﺘﻬﺎﻓﺖ ( ﻛﺄوراق اﳋﺮﻳﻒ)  ﺣﻴﻨﻬﺎ ران ﻋﻠﻰ
اﻟﺬﻫﻦ اﻟﺴﻴـﺎﺳﻲ اﻟﻌـﺮﺑﻲ أﻧﻪ ﻟﻦ ﻳﻨﺘـﻈﻢ أﻣﺮ اﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ وﻟﻦ ﻳـﺴﺘﺘﺐ ﺣﺎﻟـﻬﺎ إﻻ إذا أﻃـﺒﻖ ﻛﻞ
ﻣﻦ ﻳـﺰﻣﻊ ﲡـﺸﻤﻬﺎ ﻋـﻠﻰ ﻣﻔـﺎﺻﻞ اﳊـﻴﺎة ﻗﺎﻃـﺒـﺔ،وﺑﺎﻟﻄﺒﻊ أن أﻗﺪر ﻣﻦ ﻳـﻀﻄﻠﻊ ﺑﺘـﻠﻚ اﳌﻬـﻤﺔ
ﺑﺤﺮﻓـﻴﺔ وﻣـﻬﺎرة ﻫﻢ ( ﺟـﻨﺲاﻟﻌـﺴﻜﺮ ) اﻟﻔـﺎﺗﻚ اﻟـﺴﺎدر، وﺑﺎﻟﻔـﻌﻞ ﻟـﻘﺪ ﺗﻌـﺴﻜﺮت اﳊـﻴﺎة
اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ وﲤﺎﻫﺎ ( ﻣﻴﻜﺮوب  اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ ) ﻓﻲ ﺗﻔﺎﺻﻴﻠﻬﺎ وﺑﺎﺗﺖ زﻓﺮات اﳌﻮاﻃﻦ اﳌﻐﻠﻮﺑﺔ ﻻ
ﺗـﺄﺧﺬ ﺳﺒﻴﻠﻬﺎ ﺳﻮى ﻣﻦ ﺧﻼل رﺋﺔ ( ﻋـﺴﻜﺮﻳﺔ ) ﻣﻔﻌـﻤﺔ ﻋﺎدةً ﺑﻌـﺒﻖ اﻟـﺒﺎرود، وأﺿﺤﻰ
اﻟﺘﻮﺟﺲ واﻟﻘﻠﻖ واﶈﺎذرة و ﻛﻞ معاني وصور ( اﳋﻮف) ﻣﺴﺘﻌﻤﺮات وﺟﺪت ﻟﻬﺎ ﻓﻲ
اﻟﺬﻫﻦ اﻟﻌـﺮﺑﻲ ﻣﺮﺗـﻌﺎً ﺧـﺼﺒﺎً ﻛﺮﳝـﺎً،ﻓﺎﺧﺘﻨﻖ اﻟﻔـﻜﺮ وﺿﻤﺮ ﺟـﻤﻮح اﻹﺑﺪاع وﺧـﺒﺖ ﺟﺬوة
اﻟﻬـﻤﺔ، وﺗﺄﻟﻘﺖ اﻵﻟﺔ اﻹﻋﻼﻣـﻴﺔ واﻟﺘﻌﻠﻴﻤـﻴﺔ ﺑﺘـﺮﺳﻴﺐ اﻟﺒﻼدة اﻟـﺸﺎﻣﻠﺔ واﻟـﻀﻠﻮع ﺑﺘﻮرﻳﺜـﻬﺎ
.ﺟﻴﻼً ﺑﻌﺪ ﺟﻴﻞ، ﺣﺘﻰ ﺗﺸﻜﻞ وﻋﻲ ﻣﺜﻘﻞ ﺑﺄﻛﺪاس ﻣﻦ ﻣﺨﻠﻔﺎت اﳉﻬﻞ واﻟﻔﻘﺮ
ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻳﺸﺮق ﺳﺆال ﻳـﺤﺎﻛﻲ واﻗﻊ اﻟﻴﻮم :ﻣﺎذا ﻧﺘـﺄﻣﻞ أن ﺗﻘﺬف ﺑﻪ أي ﺛﻮرة ﺗﺨﻠـﻘﺖ ﻓﻲ

رﺣﻢ ﻛــﻬﺬا ….؟ أو أي رﻏــﺒﺔ ﻓﻲ ﻣــﺸﺮوع ﻧﻬــﻮﺿﻲ، ﻓﺎﻷﺳﺎس ﻓﻲ أﺻﻠﻪ ﻣﺎﺋﺪ وﻻ
.ﻳﺴﺘﻮي ﻋﻠﻰ ﺻﻔﺤﺘﻪ أي ركاز أو بناء

ﺛﻮرات اﻟﺸﻚ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ:

ﻟـﻘﺪ ﺑﺎت ﻣﻔـﻬﻮم اﻟـﺜﻮرة ﻣﻦ أدﺑـﻴﺎت اﻟﺴﻴـﺎﺳﻴﺔ اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻟﻠﺨﻼص ﻣﻦ وﻃﺄة اﻟـﻮاﻗﻊ وأﻏﻼل
اﻷﻧﻈـﻤﺔ اﻟﺜﻘﻴــﻠﺔ، وﻣﻦ ﺑـﻌﺪ اﻟـﺜﻮرة اﻟﻌﺮﺑــﻴﺔ اﻟـﻜﺒﺮى اﻟﺘﻲ ﺗﺰﻋﻤـﻬﺎ اﳊـﺴﲔ ﺑﻦ ﻋـﻠﻲ ﺿﺪ
اﻟــﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧــﻴﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﲟﻌــﺎوﻧﺔ اﻻﳒﻠــﻴﺰ وﻫﻲ ﲡــﺮﺑﺔ ﺗﻌﺘــﻮرﻫﺎ اﻟﺮداءة وأﻋﻮز إﻟﻰ
أﺑﺠﺪﻳﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ أﺿﺤﻰ اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻻ ﻳﺮى ﺳﺒﻴﻞ ﻟﻠﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ واﻗﻌﻪ اﻟﺒﺌﻴﺲ واﳋﺮوج
ًﻣﻦ درﻛﺎﺗﻪ اﳌﻈﻠــﻤﺔ ﺳﻮى ﲟﻔــﻬﻮم ( ﺛﻮري ) وﺣــﺴﺐ ، ﺣﺘﻰ أﺿﺤﺖ اﻟــﺜﻮرة رﻣﺰا ملهما
وأﺳﻄﻮرة ﻣﺤﺒﺒﺔ اﻧﻔﻄﺮت ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻟﻨﻔﺲ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﳌﻘﻤﻮﻋﺔ ،وﻣﺜﻠﻤﺎ ﻧﺸﺄت وﺗﺮﺳﺒﺖ ﺛﻘﺎﻓﺔ
اﳌﻬـــﺪوﻳﺔ ( اﳌـــﻬﺪي اﳌﻨﺘـــﻈر ) ﻓﻲ اﻟﻮﻋﻲ اﻟﻌـــﺮﺑﻲ و اﻹﺳﻼﻣﻲ وﺑﺎﺗﺖ ﻣﻦ ﻣـــﺪﻏﺪﻏﺎت
اﻟـﻮﺟﺪان اﳌـﻀﻄﻬﺪة اﳌﻘـﻬﻮرة ﻛﺎن ﻣﻔـﻬﻮم اﻟـﺜﻮرات اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻛﺬﻟﻚ، ﻛﻠـﻤﺎ اﺷﺘﺪ اﻟـﻐﻞ
واﻛﻔـﻬﺮ وﺟﻪ اﳊـﻴﺎة اﻧﺒـﺠﺲ ﻓﻲ ﺧﻠـﺠﺎت اﻟﺬات اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻫﺬا اﳌﻌـﻨﻰ اﳊﻤـﻴﻢ وأﺳﺮﺟﺖ مطيتها لتيمم إلى حيث
المجهول ،ﺣﺘﻰ ﺗـﺴﺮب ﻫﺬا اﳌﻌـﻨﻰ إﻟﻰ اﻟﺬاﺋـﻘﺔ اﻟـﺸﻌﺮﻳﺔ، وﻓﻲJﻣﻄﻴﺘـﻬﺎ ﻟﺘﻴﻤﻢ إﻟﻰ ﺣـﻴﺚ ا
وﻗﺖ ﻣﺒﻜﺮ أﺧﺬ ﻳﺘﺴﻠﻞ إﻟﻰ ﻗﺮاﺋﺢ اﻷدﺑﺎء ، وﻧﺘﺬﻛﺮ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺿﺎﻗﺖ اﻟﻌﺮاق ذرﻋﺎً ﺑﺎﳌﻠﻜﻴﺔ
واﺳﺘﺜﻘﻞ اﻟﺸﻌﺐ وﻃﺄﺗﻬﺎ ﻛﺎن راﺋﺪ ﺷﻌﺮ اﳊﺪاﺛﺔ اﳌﺒﺮز ﺑﺪر اﻟﺴﻴﺎب ﻋﻠﻰ ﺷﻔﻴﺮ اﳊﺪث
وﻳﺘﺮﺑﺺ ﺑـﻬﺎ ﺣﺘﻰ اﻧﻔﻠـﻘﺖ ﻗﺮﻳﺤـﺘﻪ ﺑﺄﺟـﻤﻞ ﻣﺎ1958ﻳـﻨﺎﺟﻲ ﺛﻮرة ﲤﻮز اﻟﻮﻃﻨـﻴﺔ ﻋﺎم
ﻗﻴﻞ ﻓﻲ دﻳﻮان اﻟﺸﻌﺮ اﳊﺪﻳﺚ (( أﻧﺸﻮدة اﳌﻄﺮ )) اﻟﺸﻬﻴﺮة، ﻛﺎن اﻟﺴﻴﺎب ﻳﺸﻜﻮ ﻣﻦ
ﺟﻮر اﳌﻠﻜــﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺟﻮﻋﺖ اﻟــﻌﺮاق وأﺟﺪﺑﺖ أرض اﻟــﺮاﻓﺪﻳﻦ ووﻫــﺒﺖ ﺧﻴﺮاﺗــﻬﺎ اﳉﺰال
ﻟﻠﻤـﺴﺘﻌﻤﺮ اﻟﻐـﺮﺑﻲ، ﻓـﻜﺎن رﻣﺰ اﳌـﻄﺮ ﻫﻮ اﻟـﻐﻮث وﻫﻮ اﻟـﺒﺎﻋﺚ ﳊـﻴﺎة ﻣـﺸﺮﻗﺔ ﺟـﺪﻳﺪة وﻟـﻜﻦ
ﺳﺮﻋﺎن ﻣﺎ ﺗﺒﺨﺮت آﻣﺎل اﻟﺴﻴﺎب و ﺧﺎﺑﺖ ﻇﻨﻮﻧﻪ واﺳﺘﺤﻮذ اﻟﻌﺴﻜﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺪرات اﻟﺒﻼد
وأرﻫـﺒﻮا اﻟﻌـﺒﺎد، وﺑﺎت اﳌـﺴﺘﻌﻤﺮ ذﻛﺮى ودودا إزاء اﻟﻨﻈﻢ اﻟﺘﻲ ﺗﻮاﻟﺖ ﺑـﻌﺪه، واﻟﻌـﺠﺐ أن
ﻋﺎد اﻟــﺴﻴﺎب أدراﺟﻪ ﻳﺘﺮﺑﺺ وﻳﻌــﻘﺪ ﺣــﺒﺎﺋﻞ أﻣﺎﻧﻴﻪ ﺑــﺂﻣﺎل ﺛﻮرة ﺟــﺪﻳﺪة . ﺑﺎﻟﻔــﻌﻞ أن
اﻟﺴﻴﺎب ﻻﻣﺲ أﻃﺮاف اﻟﻌﺒﻘﺮﻳﺔ ﺑﺘﻠﻚ اﻟﻘﺼﻴﺪة وان ﻛﺎن ﻳﻌﺘﺮﻳﻬﺎ ﻫﻨﺎت ، وﻳﻈﻬﺮ واﻟﻌﻠﻢ
ﻋﻨﺪ اﷲ أﻧﻬﺎ ﻣﻦ أﺣﺴﻦ ﻣﺎ ﺟﻨﺎه اﻟﻌﺮب ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﺜﻮرات المجنونة..

وﻗﺪ ﻛﺎن ﻋـﺒﺪ اﻟﻨـﺎﺻﺮ ﻳـﺼﺮخ ﻓﻲ ﻣـﻴﺪان اﳌﻨـﺸﻴﺔ ﻓﻲ ذﻛﺮى اﳉﻼء ﻋﺎم 1954م مذكرا
وﳑﺘـﻨﺎً أﻧﻪ ﻓﻲ ﺑﻮاﻛﻴﺮه ﻣﻦ اﻧﺒﺮى ﳑـﺰﻗﺎ ﻏـﺸﺎء اﻟﺬل وﻣﺤﻄـﻤﺎً ﻧـﻴﺮ اﻻﺳﺘﻌﺒﺎد ، وﺑـﻌﺪﻣﺎ
اﺳﺘﺒﺪ ﺑﺎﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ ﻟﻚ أن ﺗﺘﺨـﻴﻞ آﻓﺎق اﳊـﺮﻳﺔ وﻣـﻌﺎﻧﻲ اﻟﻜـﺮاﻣﺔ اﻟـﻠﺘﲔ ﺑـﺸﺮ ﺑﻬـﻤﺎ ﻫﺬا اﻟﺰﻋـﻴﻢ
اﳌﻈـﻔﺮ.. وﻋـﺒﺪ اﻟﻨـﺎﺻﺮ ﻋﺮّاب ﺛﻮرة اﻟـﻀﺒﺎط اﻷﺣﺮار اﻟﺘﻲ أﻃﺎﺣﺖ ﺑﺎﳌﻠﻜـﻴﺔ اﳌـﺼﺮﻳﺔ ﻋﺎم 1952م
وﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﺎم ﺑﺘﻨﺤـﻴﺔ ﺳﻠﻔﻪ وﺻﺪﻳﻖ ﺛﻮرﺗﻪ اﻟـﻠﻮاء ﻣﺤـﻤﺪ ﳒـﻴﺐ. وﻫﻮ ﻃﺎرد
اﻟﻔـﻜﺮ وﺧﺎﻧﻖ اﳊـﺮﻳﺔ وﻫﻮ أﻳـﻀﺎ ﻣﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﻋـﻬﺪه أم اﻟـﺮزاﻳﺎ اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻣﺎ ﺗـﺴﻤﻰ ﺑﻨﻜـﺴﺔ 67
اﻟﺘﻲ اﻟﺘـﻬﻢ اﻟـﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻋـﻠﻰ إﺛـﺮﻫﺎ ﺑﻘـﻴﺔ اﻷرض اﻟﻔﻠـﺴﻄﻴﻨﻴﺔ واﳉﻮﻻن وﺳﻴﻨـﺎء،
ثم أن ﻋـﺒﺪ اﻟﻨـﺎﺻﺮ ﻣﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﺟـﻨﺎزﺗﻪ ﻣﻦ أﻛﺒﺮ اﳉــﻨﺎزات اﻟﺘﻲ ﻋﺮﻓــﻬﺎ اﻟـﻌﺎﻟﻢ ﺣــﺸﻮدا

ﻣﻔﺎرﻗﺎت ﻻ ﺗﻜﺎد ﲡﺪﻫﺎ ﺳﻮى ﻋﻨﺪ اﻟﻌﺮب …!

محمد بن إبراهيم الهدلق
m.hadlaq9@gmail.com

لجينيات 2011/7

و مضات سُنيّة ..بين الموصل و السعودية

 

يشهد التاريخ أن الموصل كانت من أوفى المكونات السنية، ليس في إقليم العراق وحسب بل على صعيد الأقطار العربية قاطبة، وذلك حينما كانت خاضعة لسيادة دولة الخلافة العثمانية.

الموصل لم تذعن لغواية المستعمر ولم تنضم لمرصوفة الرصاص العربي الخائن الذي حشاه المستعمر في بندقيته ليطلقها على مقاتل دولة الخلافة العثمانية الإسلامية قبيل سقوطها .

الموصل لم تكن كجارتها البصرة ذات الكثرة الشيعية ..البصرة التي ما إن تراءت وميض حذاء المستعمر الانجليزي حتى ارتمت عليه تلثمه كفراشة عمياء .. ُمحرقة عروبتها و شوائب إسلاميتها ..و آدميتها أيضا.

تأمل معي هذه الشهادة التاريخية حتى إذا سمعت أن هناك حربا على الإسلام و المسلمين فلا تصدق إلا أنها حربا على السنة وأهلها.

يحكي سليمان فيضي المناضل العروبي العراقي في مذكراته عن تلك الفترة و وعن الموصل تحديداً حينماذهب إليها عام١٩١٣ليحرض أهلها ويغريهم بالانشقاق عن دولة الخلافة والانضمام إلى ركب المطالبين بالوطن القومي العربي ونبذ دولة الخلافة العثمانية بغاوية من الإنجليز وحبائل جواسيسهم ..فتأمل ما يقول:

يقول فيضي: ( إن النزعة الدينية التي يتميز بها أهل الموصل تقف حائلا بينهم و بين التمرد على الدولة العثمانية ذات الصبغة الإسلامية والخلافة المقدسة) ويقول في موضع آخر: (إنني حين وصلت الموصل وجدت أن عدد المؤمنين بالفكرة العربية لا يتجاوز عددهم أصابع اليد )انتهى حديثه.

لهذا أعرضت الموصل ونبذت هذا المطلب الماكر و لم تبتلع ُطعم المستعمر الذي جاء بمسوغ عربي، ليس لحذق وحصافة سياسية تملكتها حينذاك ولكن من مبدأ ثوابتها وقيمها الدينية، فآثرت الطاعة وجانبت الشقاق والخروج على السلطان، مع أن الدولة في ذلك الوقت كان بنيانها يتصدع وكانت في أحط أيامها و أبأس أحوالها وكان بقاء كيانها مرهون بعامل الوقت لا غير، إلا أن هذا لم يسول لها أن تركب مراكب جيرانها أو جيران جيرانها و تلتمس لنفسها الاسباب و تركب مطية المعاذير، بل إنها لازمت مصير وطنها بغض النظر عن أي تبعات غير محمودة العقبى سوف تطالها إن هي لبثت على ذلك الموقف.

 

و المظنون بهذا الموقف العقدي أنه عزز رغبة الإنلجليز وزاد من عزيمتهم و دفع بإصرارهم في الدأب على بتر هذا العضو ال ّسني المكين من جسد الخلافة، فهم خير مجرب و أعلم خبير أن بقاء إقليم سنّي بهذا الحجم وبهذه العقيدة يعني أن الخطر لا يزال يواقع ساحتهم والساحة الأوربية قاطبة، كذلك لم يغفل الإنجليز أن أرض الموصل من أغنى الأقاليم التي تذخر كنوزا نفطية فهذا سبب يبارك إصرارهم ويمضي به إلى أقصى بعد تطاله شهوة أطماعهم، أقول :لم يكن من المستنكر في ذلك الوقت لو أمكن الإنجليز على تجزيئ ليس المدن السنّية و حسب بل وحتى الهجر المهجورة وتكوينها بعد ذلك إلى دويلات مجهرية و إعطائها حق الاستقلال والسيادة.

بعد تقويض الهيكل العثماني َحفي الإنجليز على قطع أواصر الموصل من الدولة التركية وضمها للإقليم العراقي الخاضع تحت سيادتهم، فقد دارت مداولات ( دبلوماسية )تعصى الوفاق على إثرها بين الطرفين فارتفع الخلاف إلى عصبة الأمم آنذاك، فالأتراك يصرون على تبعية الموصل وعائديتها لهم بحكم أن جيوش التحالف لم تكن تحتل الموصل ساعة انطلاق الهدنة بل إنهم قاموا باحتلالها بعد انعقاد الهدنة وهذا ما يؤكد نواياهم المبيتة من اجتزاء هذ الجزء ال ُسنّي والحاقة بإقليم العراق، فكان الانجليز يتذرعون أن الموصل جزء من إقليم العراق الذي

رسموا أطرافه بأقلامهم.

ُحسم الأمر في مؤتمر لوزان عام ١٩٢٣ وكانت صفقة سياسية خبيثة مشروطة بالتنازل عن إقليم الموصل نظير الاعتراف بدولة تركيا، وعلى كل الأحوال قضية الموصل متشعثة فلا تستطيع الحديث عنها بعيداً عن قضية الأكراد الذين تم تشطير قوميتهم بين دول أربع :عراقية و إيرانية و تركية و سورية، وكانت الموصل تقع ضمن إقليمهم العراقي .

 

لا جرم أن الدولة العثمانية كانت كابوسا مفزعا مزمنا وتجربة مريرة ما فتئت تُفزع مهاجع أوروبا وتبعث الهلع في أرجائها، لم يغالي (جون اسبوزيتو )حينما وصفها أنها (جلاد أوروبا ) وكذا لم يزغ المؤرخ (ريتشارد كنوليز )حينما قال أنها (الرعب الحالي للبشرية )بالطبع يقصد شعوب أوروبا لأنهم لا يرون سواهم من الشعوب يصدق عليه وصف البشرية، و أبعد من كل هذا أن كان في ذلك الوقت هتافات َكنَسية حاشدة تناشد أمم أوروبا بشن حملة صليية ضد الأتراك.

انهارت دولة الخلافة وظن الغرب المسيحي أنه أطفأ نائرة الإسلام وأطفأ ثائرة السنة بإسقاطها و سرقته الأخاديع التي ما انفك يحيكها و الشغل الدؤوب الذي سلطه في تفتيت أجزائها من أن هناك في جزيرة العرب مكون سنّي يستعيد حلته.. الدولة السعودية الثالثة، والثالثة ثابتة، ولم يستوحش المستعمر من الاكتساح المتسارع الذي حققته هذه الدوله على يد الإمام عبدالعزيز بل كانت قصارى حساباته السياسية تذهب أن ما يعتمل في مناحي صحراء الجزيرة محصلها أن رجل واحد منتصر سيكون بمثابة العسكري الذي يبسط هيمنته على قبائل الجزيرة المتناثرة، يدرأ شرهم و يكف شغبهم، أي أنه سيكون ُجنة قويمة  بينهم و بين صحراء الجزيرة (الفقيرة) يأتمر بأمرهم و يصدر عن رأيهم، إلا أن هذه الحِسبة الإنجليزية لم تنضبط كما ينبغي، فالرجل ينطلق من بعد تاريخي عميق و خاض معارك دامية وتقحم مهالك جسيمة لاستعادة مجد تليد، لهذا كانت الحالة السعودية مختلفة عن بقية المكونات الخليجية القابعة على ضفاف الخليج قبل استقلالها، فبجانب هذه الشرعية التاريخية التي يحوزها الإمام / عبدالعزيز كانت في قبضته قوة عسكرية قبلية باطشة تعرف باسم الإخوان، استطاع أن يصهر طاعتها تحت لواء ّ عقدي واحد، و كذا لا ننسَ العامل ( الجيوسياسي ) الذي دفع بهذا الكيان السُنّي الضخم من النهوض بشكل فتي، فهذا الإقليم الأوسط كان مهجور مزهود فيه عن كل الأطماع و التجاذبات السياسية لقوى

الاستعمار الضالعة في ذلك الوقت، فلهذا السبب كان للإنلجيز حينئذ وكلاء وطنيون في كل إقليم خليجي من شأنهم التنسيق بينهم وبين قياداتهم البريطانية لغرض توفير الدعم والحماية مقابل ضمان استقرار الأوضاع في المحيط الواقع تحت حاكمية تلك الأسر، لكن في واقع الأمر لم يكن في أي إقليم خاضع لسيادة الإمام عبدالعزيز وكيل واحد من أولئك الإنجليز.

بعد ذلك سرعان ما دخلت الأراضِ  المقدسة في طوع الإمام وتدفقت أنهار البترول ِجزالا تجري من تحت قدمية ولا أخال هذه الأعطية سوى مكرمة رحمانية لما بعد ذلك.. فقد برزت النسخة الإسلامية ذات القوام الدولي السُنّي الضارب في الرسوخ، تعلن عن بعث العقيدة السنية السلفية الناهضة من ذات الجغرافيا و بين بُرديها ذات العرق ..العقيدة السنية التي تعرفها كل الأمم و بالأخص الأوروبية.. أليس في خزائنها جل مدوناتنا الإنسانية..! وهي تعلم أكثر من سواها عن عامل العقيدة و ما ذا يصنع إذا انعقد على أفئدة الشعوب أن له أثر أشد من أثر السحر.. يقول: جوستاف لوبون عن العقيدة وأثرها في حياة الشعوب (أن العبادة المتعصبة لروما كانت هي العقيدة الإيمانية التي جعلت من الرومان أسياد العالم .لكن ما إن ماتت هذه العقيدة حتى انهارت روما ولم يستطع البرابرة الذين دمروا الحضارة الرومانية أن يتوصلوا إلى بعض التماسك والخروج من حالة الفوضى إلا بعض العقائد المشتركة (وفي سياق آخر يقول:( و إذ ما تشكلت العقيدة و رسخت نهائياً فإنه يصبح من المستحيل الإطاحة بها لمدة طويلة)

 

فهل علمت إذاً على من تُدار الدوائر هذا اليوم..؟ إنها الحرب على السنة و حسب، وتداعِ الأمم الذي أخبر عنه الصادق المصدوق عليه الصلاة و السلام تجده شاخص  أمامك، الولايات المتحدة و الروس و الفرس والعرب و من  ورائهم اليهود.. نعم فهذا مفهوم الأمم، ليس مفهومها الدول أو الشعوب، و إنما مقصودها النحل و الأعراق و المشارب وكل من يناهض هذه الملة الصحيحة.. و إلا على من يجتمع الأن في زمن واحد، المسيحي و المجوسي و الرافضي و النصيري و الإثني عشري و الزيدي..

المشهد يجيبك..

.