إيران.. تاريخ التدعيش و فقه الحشيش ٢/٢

ذكرت أن ابن الصباح قد فاق في حقن أولئك الصبية بالغلو و الحماسة من حيث النحلة الإسماعيلية التي اتخذها زلفى لمآربه الباغية، و أشرت إلى أن بغيته من كل يافع أن يكون وسيلة قاتلة أو أداة فاتكة مشلولة الحس مفرغة المشاعر، لكن كما قلنا أن تلك الأطوار من التجهيز و التدجين لا ترقَ إلى نظر ابن الصباح و لا تستوعب معاييره الإجرامية من أن يكون هذا الغلام ممسوخ المشاعر مسلوب الإرادة، إنه يريده كالبهيمة المستأنسة، من الممكن سوقها بغرائزها، أو كمثل كلب الصيد الذي يحرشه مؤدبه فيعدو بحماسة الوفاء صوب هدفه لا يحفل بشيء سوى تلك الطعمة في نهاية المهمة تعقبها مسحة الرضا على ناصيته من يد سيده.
غير أن ابن الصباح وهو العارف الفطن لا يأمن تلك الخطرات التي عادة ما تخاتل العقل أو نفح الصحوات التي قد تدهم النفس، والتي من أحوالها التسلل عبر مسامات الفكر ومضائق المسلمات وقد تجرؤ إلى قرارات المعتقد فتشكل خطراً محدقاً على جوهر المفاهيم و الثوابت و القيم  الذي حَفي ابن الصباح في ازدراعها على مر السنين وعقدها على افئدتهم، وهذا من فرط خبثه و سفالته أنه يريد طمس كل منفذ محتمل من شأنه أن يهدد بهيمية هذا الفتى قاصداً قطع كل أواصر انجذابه نحو آدميته و فطرته القويمة، فطفق هذا الوغد إلى نبتة القنب التي تعرف { بالحشيشة } القوة المادية التي يصهر بها كل نابتة حسية واعية في نفس و ذهن هذا الغلام توشك الشرود والخلاص من هذا الحضيض الحيواني الذي ضربه على واقعه هذا الوغد الخبيث.

فحين يكون الفتى مؤهلاً للقيام بأي مهمة دامية إجرامية يقوم ابن الصباح بإفاده إليه مبرزاً له من رفيع الضيافة و كريم الحفاوة ثم يزجي له في مطعمه أو مشربه من هذه النبتة التي أعدها بحذق متناهٍ، وما إن تخالط مادتها عقله تنزو بمجامع حسه إلى عالمها الحالم، يساق هذا الغرير المسطول بعدها فيُسرى به من حيث سرداب خفي، ينساب به نحو تلك الحدائق الغنّاء التي زينها و اتم بهرجها، حتى إذا استقر على أرضها وكأنه في معراج هابط و لا يزال نزراً يسيراً من بواقي وعيه يوسوس له من أثر تلك النبتة: هل هو في حلم واقع.. أم هو في واقع حالم..؟ قصارى فكره أن قانواً غير قانون حياته الأرضية تحول إليه وبات يحكم وجوده ويهيمن على شعوره و إرادته، ،كل ذلك قبل أن يرفع جسده الخائر الذائب ويسجّى على ذلك السرير الغض الفائق الفراهة، وما إن تستوي أعضاؤه  وتتساكن أنفاسه تراه يرمق بعُشر طرفه الواعي المثّاقل حيث أولئك الحسان من ثيبات و أبكار حافين بمضجعه في غاية الخضوع و التودد و التذلل و كل شهي للنفس أو أنيس للحس في حضرته لا يباعد شيء مما يشتهي مُسكة يده. حينها لا يساوره أدنى ريب أنه أضحى من سكان جنة عدن، تحديداً إذا أُقف على ضفاف ذينك النهرين الناضحين بالعسل المصفّى و اللبن السائغ اللذان أجراهما ابن الصباح بأخدوعته العفريتية.

هنا يتيقن الفتى أن هذا المنقلب الكريم جزاء تسليمة و مثوبة طاعته لأوامر سيده، حتى إذا قضى وطره من كل لذة و أجهدته متعتها وارتحلت مدبرة بأشلاء وعيه، سيق نحو مستقره في القلعة حيث سوء المنقلب و نكد المقام فإذا تصرم أثر هذه الحشيشة و ما عاقره من كؤوس الدهاق التي عبّها في جنة عدن المزعومة و وثب إليه رشده، أنكر حاله و بؤس مُقامه:.. كيف كان سلطانه و نعيمه في السماء دار المثوبة و الجزاء ثم أي لعنة حاقت به فنكّسته إلى دار الشقوة و البلاء..! حينها لا يبقى هم و لا غم إلا نزل بساحته، ولا حزن في أقطار السماء و الأرض إلا تداعى إلى قلبه، ثم لا ينفك منه هذا الوجد الحارق يؤجج إحساسه و يضرم أشواقه، حتى إذا همت جُند القنوط تحاصر شعوره و ظن أن الهلاك لا محالة مواقعه وانقطع رجاؤه من كل سبب ودانت لحظة الهلاك أن تبطش بحياته.. نادى منادٍ بسمه في القلعة أن سيدها ابن الصباح يطلب حضوره      و امتثاله في التو واللحظة، فيظن هذا المستلب العديم ساعتها أن فرجة من جنة الفردوس قد كُشفت له، و أن روحه من جديد قد ثابت وبثت في جوف جسده، فيمثل الغلام صاغراً مضطرباً في سلطان سيده الذي ما إن يراه حتى يدثر فزعه و يسكّن روعه بنظرة راضية شفيقة تضمر كل المكر والخبث والفجور، فيسائله عن حاله و إلى ما صار إليه مآله..فيشرع هذا المسكين يبث شكايته و ينثر شجنه وهو بالكاد يصلب قوامه، فجسده متهافت رازح تحت صراع غاشم أليم سعّرته هذه المادة الأثيمة (الحشيشة) و كل حسه وشعوره مأخوذ بصور النعيم وحور العين التي أُقصي منها، فهي لا تنفك تتغشى ذهنه و تمور بفكره، ومع ضراوة عنفوان غريزي فتي لاهب.. أنّى ليافع مثله أسباب الخشوع و السكون و الهدأة.

في هذه اللحظة المنتظرة تتهلل أسارير هذا الطاغوت و يسرّى عنه غبطتهً و سروراً أن خطته الإبليسية مَثُلت إلى نجاحها المنشود و أن هذا العنصر سوف يكون إضافة نوعية متفوقة في مستودع ذخائره البشرية، فإذا أزفت لحظة الشروع بتصويبه على أي هدف مبتغى فإن هذا الخبيث يأتيه بأقدر من غوايات ابليس الذي تعاطاها في مكره على بني أدم، حيث المرأة التي لبّس عليه أنها من حور الجنة و أنها في شوق فاطر ترقب عودته وقد هيأت له المتكئ الكريم الذي يليق بمقام شهيدٍ نذر روحه وشبابه في سبيل المعتقد و النحلة و الطاعة المطلقة لسيده، فيوشك عقل هذا الغلام أن يطير من محجره من هول الخطب، فقد كان منذ برهة و هو في أحط دركات البؤس والضيق، فما هذا الملكوت السماوي الذي يضمره هذا السيد الأرضي..! كيف له أن يعرج به إلى بروج السماء حيث لا ثمة فرجة ينفذ من أقطارها ولا ثمة برهان؟ ثم كيف يولجه إلى قرارات الجنان، يتقلب في أحضان حورها، يعُب من كؤوسها و يتنعم بمشاهد أنهارها و عروشها؟.. لكن الحق أن الفرجة السماوية المزعومة لا تبدو في أي سماء من سماوات الله سبحانه     و تعالى، بل إن حقيقتها تقبع في ذهن هذا الغِر المسكين الذي تراه حينما تخالط نشوتها عقله ثم تنساب بسحرها في أعضائه و مفاصله و يدب رحيق العافية إلى أوزاع بدنه و يرتد ما شرد من وعيه فحينئذ لا تجده في هذا المنشط المؤقت إلا ذلك الشخص المغلول بقيد الغلو اللاهب الذي ضُرب على عقله مذ كان صبي يسعى، لقد باتت كل حادثة تصادم فكره لا تنفذ إلى تخوم فهمه إلا من خلال هذا السبيل الغلوائي الذي تجرعه في بواكيره، وكل صعيد عدى ذلك موصد بمغاليق و أقفال ابتلع مفاتحها ذلك المجرم ابن الصباح، الذي يدرك بخبث لعين أن ثمة محرض غريزي جامح في طريقه إلى هذا الفتى المدجّن سوف لا ينفك إلى تشويش فكره وتشغيب سكينته، حيث رحلة البلوغ  وطور الفتوة سوف تُلهب شهوة الصبي المسكين ويفور به شبق الوجد إلى الأنثى و يغدو حبيس هذه الحالة الأليمة و تأثيرها المزمن على فكره، فسارع إلى أنجع فكرة طاغوتية لم يجتهد كثيراً في تطبيقها، فهي مرصوفة و مرصودة في أذهانهم منذ بكور التلقي في مرحلة التلقين، ثمرة عزيزة من ثمار التعاليم الممسوخة، حيث استدعى لهم في هذا الظرف العمري الفائر صورة حور العين كمصرف شرعي حميم لشهوتهم الفتية المتقدة، ليس ذلك و حسب بل كلما خبت جذوة حماستهم و تثاءب باعث همتهم تكون خير شاحذ لطاقتهم و إخلاصهم أيضاً.. مَعين غريزي و ودود يروي الهامهم في حركاتهم و سكناتهم،

هكذا يستبد ابن الصباح بمجامع التأثير عند اتباعه من الفتيان و كل ساذج متعاطف مع  فكرته الإبليسية التي سربلها بالإفك والتزوير، ثالوث محكم الإطباق يَمثُل في محرضات ثلاث.. العقيدة و الغريزة و الفكر، وهي أيضا مكونات ثلاث لأي قنبلة بشرية صماء عنيفة الفتك ضارية التدمير،  و إذ ما غاليت في إلهابها و تثوير مستفزاتها فارتقب ما لا تحتسب من أضرار تشظيها.

أما المصادقة الشهيدة أسوقها في حادثة ارتسمت تفاصيلها في القرن الخامس الهجري حيث قصة اغتيال وزير الدولة السلجوقي الصالح نظام المك، السد السنّي الكاسح إزاء محاولات التمدد الشيعي في تلك الحقبة، ندب إليه ابن الصباح غلام حشاش من القلعة فقطع المفاوز حتى تسلل إلى مجلسه بهيئة الهارب المستغيث، وما إن أُذن له و فسح له السبيل أنشأ الوزير يصافحه فسدد هذ الحشاش طعنة مكينة في جوفه بخنجره المسموم لم يلبث بعدها سويعات حتى فاضت روحه وفارق الحياة رحمه الله.
هذه القصة شهد وقائعها القرن الخامس الهجري، ولو تأملت طرازها و تحسست خامتها سوف تقفز بذهنك جبراً حيث اعتاب عام ٢٠٠٩م حينما قطع صبي غرير  القفار و المهامه قاصداً مساعد وزير الداخلية حينذاك الأمير محمد بن نايف زاعماً التوبة راغباً الإنابة مزمعاً الإقلاع عن درب الضلال ولكن شريطة أن يسلم نفسه لشخص الأمير بعدما فخخ أحشاءه بمادة شديدة الفتك والتدمير غير أن لطف الله سبحانه حال وتعالى أبطل سوء الكيد و أفشل خبث التدبير.

هكذا تطور وتفشى هذا الفكر ( الحشاشي)عبر الامتداد التاريخي للأمة الإيرانية وهكذا تَعولم فيما بعد و أضحى مبعث إلهام سخي للممارسات الإجرامية الدامية السياسية، فمهما تمظهرت هذه الجمهورية الإسلامية الدعية بعمامة المتدين أو تأنّقت بثوب المتمدن تظل هي أيقونة الإرهاب و جرثومة الفوضى و الخراب، حرباً على الإسلام و المسلمين سِلم على البغاة و الكافرين، وتاريخها مفعم بالإجرام الدامي اللامحدود.

فمن عرقهم انبرى أبو لؤلؤة المجوسي الذي تبوأ اغتيال أعصم نفس في ذلك الوقت، خليفة المؤمنين الفاروق رضي الله عنه بخنجره المسموم وهو قائم يصلي بالمسلمين، فالمجوس هم  من استورد التطاول و الجرأة على دماء الحكام في الإسلام و هم أيضا من أهدر قدسية المساجد وحرمة دور العبادة، وما نعاينه في الوقت الراهن من استهداف المساجد و دور العبادة واستخدامها لأبعاد سياسة ما هو إلا استلهام لسنن القوم المنكرة في الإسلام.

ومن نحلتهم المذهبية  أول عُصبة اعتدت على مشاعر الله المقدسة، القرامطة البغاة قاموا بغزو الحجيج في القرن الثالث ووضعوا السيف فيهم وارتكبوا في ضيوف الرحمن اشنع المجازر و ابشع التنكيل فسَبَوا النساء و الذراري و اقتلعوا الحجر الأسود وسلبوا الكعبة حلتها، وانظر أحفادهم اليوم ثوار ما يعرف بولاية الفقيه و التي تحولت بأطماعهم و سلوكاتهم إلى ( ولاية سفيه ) انظرهم كيف يقتفون هدي أسلافهم القرامطة حذو القذة بالقذة، الم ترَ كيف  بات من شعائر حجهم و مناسك موسمهم إشاعة الفوضى و بث الشغب و تعكير سكينة الحجاج و ترويع طمأنينتهم.

ومن تاريخ دولتهم، أجدادهم الصفويون أبشع دولة عرفها التاريخ تعاطت التطهير المذهبي بامتياز  لم يسبق له نظير وارتكبت ابشع الجرائم و أوحش المسالك في ملاحقة أهل السنة واصطلامهم، و هاهم أحفادهم دولة إيران المعاصرة، كيف بوأت العراق؟ حيث صيرته كتلة من العواطف المذهبية المتنمّرة، فاستحال إلى جنون من الهرج المقيم، إن كل شيء في أرض الرافدين عرضة للبوار والكساد  إلا أسباب الفتن والفوضى، لا يعوزها ناصر و لا يفشل لها مسعى، وفي سوريا كذلك لم تفتأ تراودها حتى استدرجتها فوقعت حبيسة شراكها  فتعجب كيف جلعتها موئل الخوف و الشقاء و مرتع الأحزان و البأساء،

هذه إذاً أخلاق الأمة الإيرانية: فإن كان ابن الصباح يستقطب اتباعه ثم يجندهم  و يستخدمهم وسائل رخيصة لتحقيق مكاسب سياسية، فإني أذكرك أن تعاويذ التاريخ لا تلبث على حالها بل إنها عرضة مستعدة لطفرة جينية تصيبها  في أي حين ينزو عليها ملاقِحُها، فيبث في روعها ويستنفر مكنوز مكنونها كما تفعل هذه الأمة الشيطانية اليوم في أقطار العرب باسم الدين و نصرة اتباع المذهب.

فإن أردت عرقها فأبي لؤلؤة المجوسي الفارسي ملهم حقدها و مذكي عدوانها. وإن أردتها ثورتها فالقرامطة الهمج أئمتهم و قدوتهم. و إن أردت دولتها فالصفويين الغلاة بُعدها و امتدادها.ا

فأمة استودع الشيطان في تكوينها تلكم الخصال، أي جهاد في سبيل الله لا يرى أولوية مدافعتها وكف عدوانها لا جرم أنه جهاد مظنون القصد مدخول النية  منحرف الجادة.

hadlaq9.comhadlaq9@

إيران.. تاريخ التدعيش وفقه الحشيش ١\٢

تحكي وقائع الأيام حينما تتغالب الأمم وتتنافس الشعوب أنه يتخلق في رحم دوراتها حدث أو جملة أحداث تراها مع تعاقب الأزمان تأخذ طابعاً أشبه ما يكون بتعويذة تاريخية، هذه التعويذة عادة ما يضمرها التاريخ، ويخفي ملامحها وأحياناً يُظَن أن النسيان أحبط صمودها وتماسُك قواها وهي عالقة على جُدُر الذاكرة. بعض الأمم تجتهد أن تتمظهر بواقع يغاير صبغة تاريخها المحفوظ في أول صفحاته، زاعمة أن الظرف الإنساني ما عاد يستوعب تلكم الأفكار والممارسات البائدة، لكن الحقيقة تشف للباصر غير ذلك، فالأمم التي افتضت مجد دولتها بانتحال السفك والتقتيل وفرضت سيادتها بسيف الإرهاب والترويع ولا تستمد سكينتها ورفاهية شعوبها إلا من موائد الدسائس والفتن، هي في حقيقتها لا تزال كذلك تمارس نفس السلوك وتتعاطى ذات الأخلاق ربما بوجه سياسي آخر وبأنساق سلوكية مختلفة، وتراها إذا ما ألجأها الظرف واضطرتها الحاجة تميط اللثام عن هذا الوجه المريع ثم تفزع مسرعة إلى هذه التعويذة تبعثها من رميم التاريخ ولا تتمعر من إشهارها والمجاهرة بها بل أحياناً تُفاخر وتباهي بها، مثلاً.. كما صنع بوش الابن حين حار ذهنه وعزت عليه الحيلة.. كيف السبيل لتبرير حربه على ما يسمى بالإرهاب.. ؟ هل تتذكر كيف ارتكس إلى صفحات التاريخ القديمة؟ سابحاً في غبارها حتى خَلُص إلى عصور الظلام باعثاً من فصولها تجدد الحرب الصليبية كمسوغ عاطفي مقدس سيسهم في إضفاء تأييد شرعي جدير على فكرته الحربية.. وما كان هذا الشقي ليعمد إلى ذلك لولا علمه أن مثل هذه الاستعارة التاريخية الفاتنة سوف تصافح شعوراً شعبياً كامناً في وعي الجماهير، إذن.. بمثل هذا تُحرض العواطف وكذلك يُكتسح الوعي.

لكن مع كل هذا أقول: إن قدرات الأمم وتجربتها الحضارية تتفاوت حيث نبوغ ملكاتها وجودة أدواتها ثم إتقان توظيفها بعد ذلك لهذا التاريخ. فإذا كانت الولايات المتحدة ممثلة في بوش الابن استعارت معنى الحروب الصليبية كإشارة تاريخية فاعلة لتغرير وعي الشعوب وتبرير عدوانها على المنطقة ومن ثم تنفيذ (خارطتها) الجديدة، إلا أن ثمة أمة لم تنفك عن ضلالها القديم وما زالت تتعاطى تعويذاتها التاريخية وفق تطبيق فكري وحركي عتيق، ليس بموسوع الظرف ولا بمقدور الفكر أن يستوعبان سخفها وسذاجتها فضلاً عن شذوذ القيم وهبوط المبادئ التي تكتنفها.

هنا دعونا نبرز صنفاً من ملامح هذه التعويذات التاريخية التي فاقت في تعاطيها واستخدامها الأمة الإيرانية، وهي تعويذة لا تعد سوى أمثولة واحدة لتاريخ صارخ بالدماء حافل بالشيطنة والشرور.

مع أقصوصة وقعت أحداثها في أعطاف القرن الخامس الهجري، ستحكي لك.. عن أول أمة تعاطت تشريك العقول وفاقت في تفخيخ الأجساد واحترفت تدويل سلوك الاغتيال ومنهجة البغي والعدوان، فضلاً عن الاقتدار المطلق في استلاب مشاعر الجماهير، وتوحيش عاطفتها الدينية من حيث حقنها بالغلواء والتطرف.

لقد عمدت في سرد هذه القصة ولوج بعض التفاصيل؛ لكي نخلص إلى تصور عادل عن أخلاق العدو المتربص وأدواته التي يتعاطاها في عدوانه وبغيه على أهل الدين باسم الدين.

مع أحدث القصة..

في إيران وتحديداً على تخوم طهران اتخذ الحسن بن الصباح قلعة (آلموت) الحصينة وكراً لنشر حركته الدامية التي انتحلت من الدعوة الإسماعيلية الباطنية دثاراً لها لتحقيق أطماع سياسية بحتة لا تمت للمذهب أو المعتقد بأي صلة، وهذا دأب مألوف مخمور في الحراك الإسلامي السياسي أنه من العسير أن تصبو إلى أي مطمع سياسي أو تروم مقصد سلطوياً من غير أن تمتطي صهوة الدين بحذق ومهارة.

وكان ابن الصباح رجلاً استثنائياً ينطوي على ملكات وقدرات فائقة، كان حاد الذكاء لامع الذهن بارع الفهم تسلل برشاقة إلى مشاعر البسطاء، واستطاع غواية العوام بثوب الناسك المتبتل.

وكانت قلعة (آلموت) تقبع في أعالي شواهق جبال الديلم، وهي تشاطره بعضاً من هذه الاستثناءات والملكات، فهي قلعة عصية المسالك عسيرة التضاريس، يذكر أن ارتفاعها يربو على سطح البحر بـ6000 قدم، ومن مكانتها الشاهقة وتموضعها الحصين أخذت اسمها، فآلموت مفردة فارسية تعني بيت النسر أو وكر النسر، ولم تقتصر هذه القلعة المكينة على تلك الامتيازات وحسب بل إنها تزخر بطبيعة فاتنة خلابة وعلى سفحها يستقل وادٍ ضخم يعزز حصانتها ويضفي روعة إلى بهائها وزخرفها.

ما فتئ ابن الصباح ينثر أضاليله وينشر أكاذيبه في أرجاء القلعة حتى شاع خبره وفشا ذكره، وفي فترة وجيزة أمسى مهوى لأفئدة سكانها، فقد استحوذ فكره على أفهامهم واستبد اسمه بمشاعرهم فانتظمت له قلعة (آلموت) وظفر بتأييدها المطلق لم يلبث ملياً حتى وثب على صاحب القلعة وأبعده منها ليكون بعد ذلك الحاكم باسمها المتفرد بأمرها.

حينئذ أخذ بالنهوض بفكرته العدوانية ودفع بسلوكها الإرهابي وأهدافها الدامية حتى بات اسمها أمثولة الرعب والوحشية ومبعث الخوف والفزع في شتى الأصقاع، إنها فرقة (الحشاشين) وهي في مصطلحنا المعاصر أشبه ما تكون (بميليشيا) مسلحة أو (مافيا) سرية، تلبست بهذا الاسم المنكر من حيث الجزء الفاعل والمتفوق في (استراتيجيتها) يرتكز على نبتة القنب المعروفة بالحشيشة.

ارتزقت هذه الفرقة على امتهان القتل، واحترفت السفك والترويع وفاقت في تقصد الشخصيات السياسية الضالعة في المكانة والنافذة في القرار ليس على صعيد إسلامي سني وحسب، بل وصل خنجرها إلى البلاط المسيحي حتى استكثف أمرها وطال شرها كل من حاول أن يقف حائلاً أو معادياً دون (أجندتها) الباطنية، ولك أن تتصور الطور الدامي التي بلغت آفاقه هذه الفرقة حيث تقحم سلوكها معجم الإنجليزية واجترحت بين مفرداته معنى جديداً، (Assassination الساسيشن، الحشاشين) تشير هذه المفردة إلى كل قتيل قضى نحبه غيلة، أو أزهقت حياته خلسة، أو جبراً لأي غرض سياسي. وذلك بعدما احترفت هذه الفرقة فناً جديداً في سلوك القتل والترهيب وشاع بين الأقاليم والأمم تفردها بهذا المنهج الدموي.

أعود إلى قلعة (آلموت) التي لم يدخر ابن الصباح مفاتن طبيعتها حيث قام بتجهيز جنان غناء على أبدع طراز، ثم بأخدوعة فائقة أجرى في وسطها نهرين، نهراً من عسل مصفى، وآخر من لبن سائغ، ثم انتخب لها أجمل الكواعب وأخلص الفواتن من النساء مستنسخاً حقيقة تلك الصورة من جنات عدن والحور العين التي وعد الله بها في كتابه الكريم.

إذن ما من جالب ينشر الإنس ولا باعث ينثر السرور مما تشتهيه الأنفس أو تعشقه الأعين إلا وهيأه هذا الماكر وجاء بكل أسبابه ومسبباته.

لكنّ شيئاً من كل هذا البذل والجهد سوف يذهب سدى من غير توافر الأغرار الفرائس الذي سوف يجتهد في استلاب إرادتهم، وتطويع مداركهم حسب أغراضه وغاياته الإجرامية.

يعمد ابن الصباح إلى أطفال القلعة وكل غر أو حدث متعاطف مع الفكر الإسماعيلي ثم يدفع بهم إلى محاضن تدجين تضخ في أذهانهم مبادئ الفكر وتعاليمه، والأمكر من ذلك تعظيم مبدأ الولاء والانقياد العبودي، وغرسه في شعورهم والسمو به كأرفع قيمة تعكس صدق إيمانهم ومحض إخلاصهم، حيث يرتبط هذا الولاء بعد ذلك بسلم قيادي غاية في الغموض والتعقيد تتنزل منه الأوامر وترتفع إليه الأخبار ولا يكاد يرى أو يشافه إلا من أخلص المقربين، إنك تراه ماثلاً في كل بقعة من بقاع القلعة، عليم بكل ما يدور في أرجائها، كالشبح حاضراً من غير أثر لا يصيخه سمع ولا يدركه بصر، لقد فاق ابن الصباح أن أضفى على شخصه وذكره في القلعة مسحة ألوهية أوغلت في تقديس مكانته عند أهالي القلعة وكل من سمع بذكره وخبره.

لكن ابن الصباح أكثر مستيقن أن قوى العقل مهما خنقتها، أو حبست منافذ إدراكها فإنها في أي لحظة واعية قد ترتد إلى فطرتها وتثوب إلى رشدها، فجهد هذا الخبيث الماكر إلى استئصال هذا الاحتمال من جذوره، وإخماد كل نابتة قد تفضي إلى إيقاظ سكرة بصيرته، أو تهدي ضلال رشده لضمان مضي مشروعه الإجرامي إلى غايته الوحشية، وقطع دابر أي منغص من شأنه حرفه عن وجهته، فشرع إلى استخلاص كل نابغ مما تفرزه تلك المحاضن التعليمة، ثم يبادر بالزج بهم إلى حيث المعسكرات القتالية لتدريبهم فنون القتال وتعليمهم أصول الحرب، وما إن يستوي هذا اليافع منهم على سوقه يعمد به بعدئذ إلى آخر مراحل التدجين وهي ابتلاء حيز الامتثال والانقياد عند هؤلاء الأغرار، والكشف عن ضوامر سرائرهم تجاه زعيمهم ابن الصباح والقضية الإسماعيلية، وذلك بإخضاعهم تحت أعنف الظروف النفسية ليتمحص بعد ذلك الحكم على هذا الغلام من صلاحيته إلى الانضمام حيث الكتيبة المسماة بالفدائية، لكن ليس قبل أن يأخذ منه الميثاق الغليظ على وهب حياته وما ملكت يمينه فداء لزعيم القلعة ابن الصباح تحت غطاء القضية الإسماعيلية، ونصرة أشياعها المستضعفة لينتظر كل عنصر منهم مهمته الدامية بفارغ الكرامة والحب والشغف.

ملحمة الفساد العربي

قبل البدء، إغماضة .. 

على ذلك  المشهد البئيس ، تلفظ الشمس نورها الشاحب البارد العقيم ،كأن أرتالا من  أسراب الجراد السادرة رانت على أديم العنت والوصب ، تقضم غلال الكدح والتعب ، ومع كل قضمة عمياء.. جذوة من نهار تخبو… وقبسة من ظلمة تضيء….تضيء سبيل الظلام وتزف خطى الجهالة لكل مريد لغير الخير ،حتى إذا استتم الظلام  واستحكمت حلكته على كل قلب مثخن مجهود ، تنادت جرذان الخراب الفاسقة من تحت ركام الشرف  وأنقاض الفضيلة ،تقرض بواقي أسمال العفاف وشيئا من أطراف نفسٍ خلقة مستسلمة، استأسرت أوصالها لأغلال القنوط البالية،وعلى نعيب غربان الشؤم  الهرمة تنام على مرقد البؤس المنكود، حتى إذا أُترع الليل من خمرة العبث والفوضى  ، يتجشأ السحرَ المحموم صبحاً   غضوبا مكفهر  الملامح ، يصرخ بملء نوره الواهن الموتور ، يستحث خازن الإثم والفجور ليرفع أذان الويل و الثبور : ( إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ) فيفزع الحيارى من لحود الفقر والجهل والجور، فتراهم سكارى … وما هم بسكارى .!مثقلي الخطى مهطعي الأحداق ، في مشهد مفزع متكامل الرهبة تخالهم يتراءون.. ( مالك ) ..! ولكن …! ليت شعري.. فلا ثمة مالك..!

ثم على ذلك المشهد البئيس.. تلفظ الشمس نورها الشاحب البارد العقيم..  كأن أرتالا من ……..

إستفاقة ..

الفساد ظل الموت الذي يجثم على الأمم .

الفساد صوت إبليس وصورته  بحناجر وسواعد بشرية ..

وفي الملكوت الأعلى وقبل خلق العنصر البشري  كان الفساد القلق الملائكي والتوجس المبكر ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ..الآية ) …الآية .البقرة 30

لذا فإن الحالة الحياتية الصحية هي تلك المراغمة الحتمية الماثلة في الصراع السرمدي بين الخير والشر،كي تتخلق حالة التمايز التي ينشدها الله سبحانه وتعالى والتي على إثرها  يتعين الثواب والعقاب ،يقول سبحانه في سورة الانفال: ( لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ … الآية ) وفي سورة  ال عمران.يقول: ( مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب )

والنفس نزاعة للشر ، لتربص إبليس لها وديمومته في الأرض، لذا  نجد في كثير من المواضع القرآنية الكريمة لا يكتفي الخطاب الكريم بوصف الحالات الفاضلة التي يكون عليها العبد ،كالإيمان  والتقوى والصبر والإنابة ،بل تذهب به فوراً إلى الواقع التطبيقي كما في قوله سبحانه وتعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ) الأعراف 35 (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) الشورى 40 (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ ) النساء (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) هود 11   ( الذين امنوا وعملوا الصالحات) البقرة82 لكي يتعدى النفع ويعم الصلاح وينحسر الشر  .

و هنا يلتمع  جوهر الإصلاح والتعاطي مع مكافحة الفساد، من أنه مفهوم لن يتأتى أو يتعدى ما لم تصلح الذات الإنسانية وتصدق عزائمها ، وقد قال التاريخ أن مشاريع الإصلاح الحقيقية نهضت وانطلقت على هذا الأساس المتين، …وهنا خليق أن نعرض كل نظام ( عربي ) مهما كانت نحلته على تلك القاعدة القرآنية العظيمة .

لا ريب أن الغرب آمنوا بتلك السنّة أقصد ( المراغمة ) واستوعبوا حقيقتها ، في حين أن التجربة التاريخية تقول: أن العرب لا زالوا كافرين بها متجاهلين حقيقتها، إذا علمنا أن هنالك منظمة دولية تعنى بشئون الفساد والفاسدين في العالم وهي (منظمة الشفافية الدولية) والتي  أتذكر أنها أعلنت في أحد تقاريرها 2004 عن أكبر عشرة فاسدين في العالم  لم يكن من بينهم اسم عربي واحد.!!!

أقول: إن كان من  السائغ أن نصف ما يعتور الحالة العربية من أنه فساد بالمفهوم المصطلح عليه والمتفق على معاييره دولياً ، فليس من صنوف التجني إذاً  لو قلنا أنه: أخبث أشكاله وأشرى أنواعه.

إنه ذلك النوع الذي يتسلل إلى أصلاب الأمم فيعطل أركانها ثم  يطّرحها بعيدا عن المضمار الأممي، إنه ذلك  النوع  المسذّج الذي يهبط متقمصاً دثار النبوة  تسبقه تراتيل آلافك عادة وتزخرفه أنامل الزور مبشراً أن ما تحسه وتبصره فهو مخاض التحرر والانعتاق من ربقة الجوع والجور والفوضى، ومراغمة التلف الموروث من خير السلف ، وتلك سمة  ووتيرة  الحراك  العروبي مذ تشكلت أقطارهم السياسية ، كلما تسنمت زمرة لعنت أختها ، و الفرد ما زال يجاهد  البلاء  فرقاً من درك الشقاء ، والعمه ضارب أطنابه  في الذهن  ،والمشهد العام  سابح   في دياجير التخلف والعنت.

إن الفساد العربي  مترسب في الوعي منذ أمد وقد تحلل وبات رميماً ولكن لم تذروه  رياح التجربة والإرادة كما هو الحال في باقي الأمم ذات المعرفة والحضارة،  فبات  كامنا متربصاً، وما يحيق بنا الآن مرحلة من مراحل  إعادة تدوير هذا الرميم،وهذا هو الخبيث النكد منه.

ولم يتسنم العرب سدة التخلف ألأممي ولم يتذيلوا القائمة لأنهم الأسوأ على الصعيد الدولي.! بل لأنهم الأمة التي  لا ينبغي لها إلا أن تكون أنأى الأمم وأرفعها  وأطهرها عن ذلك المفهوم .بحكم اكتنافهم خارطة النجاة الحياتية  واختيار الرسالة الأخيرة  لجنسهم ، وظهورهم بعد ذلك بفضلها على أمم سبقتهم في ميادين الحضارة والقوة والمعرفة ، فمن هنا يتعاظم معنى الفساد وتستثقل وطأته .

ولا تثريب على دول قبعت في ظل التاريخ إن لعنها الفساد ومزقها كل ممزق، ولا تثريب على مجتمعات ضربها الفساد بسياط الجهل والفقر، وإنما التثريب على أمة وعبت كل دعائم النهوض ودواعي التمكين والغلبة ، إنما التثريب على أمة شهد بعلوها وامتيازها رب العالمين أنها ( خير أمة أخرجت للناس ) كيف إذاً يكون هذا مآلها ؟

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ الأعراف : 175 وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ …الآية الأعراف
نعم …لما انحسر رداء الإسلام من عاتق العرب وطوّق نير ( العروبة ) أعناقهم لم ينفكوا مخلدين إلى الأرض.

لجينيات
٢٠١١/١
محمد بن إبراهيم الهدلق