Author Archives: محمد الهدلق

عُزلَةُ الِنَعمة أم نِعمَة العَزلة

قياسي
عُزلَةُ الِنَعمة أم نِعمَة العَزلة

فضفضة نصف معتزل..

طالما أننا نعيش مصيراً واحداً قد ألجأنا إليه هذا الميكروب، وجعل الناس فيه سواسية كأسنان الحمار..

 واعتذر عن سَوق هذا المثل الذي قد يراه البعض عديم الوقار وفيه خروج عن طوق اللباقة، فالأمثال تتنزل بحسب الأحوال، والعرب تسوق هذا المثل على سبيل الذم والنقيصة لكل قبيلة يتساوى أفرادها في الفضائل والمعاني ويكون الجميع فيها سواسية كحال الناس اليوم، فقد سلب هذا الميكروب امتيازات البشر وأعدم رفاهيتهم وفرض عليهم واقعاً جبرياً لا يطيقون معه إلا التسليم. لقد زرع بين أجسادهم التناكر والبغضاء، بعدما كان التصافح والتعانق أبلغ سلوك تعبيري اجتماعي إزاء من نحبهم، صار الجميع ينطق بصمت مبين.. ” لا مساس ” شعاراً أمسى لكل لناس.

انتقل إلى صورة أخرى من واقع الناس حينما أُلجِئوا قسراً إلى لزوم منازلهم قطعاً لدابر العدوى وفشوها بينهم، ولاَحِظوا هنا أنني قلت: أُلجئِوا قسراً، وهذا مثار عَجَب ومبعث اندهاش، إذ المفترض أن الناس تنساق لهذا السبب حبُاً وطَوعاً لا تبرماً وكرهاً، لاسيما ومعائشهم مكفية وحوائجهم مقضية، غير أنك تكتشف أنهم يساقون إلى منازلهم ومآمنهم  بالعسف والقهر سَوق الأنعام، وأعجب من ذلك أن ترى من يختلق الحيل  ويبتكر الأخاديع للهرب إلى حيث هَلَكته في سبيل نزوة وضيعة لا تَعدِل في ميزان المتعة شروى نقير، وتراه يبذل قُرباناً لها حياة والده أو ولده أو زوجه أو حياتهم أجمعين.

وأنا أنزه جنس الحيوان حينما أشبهته بهذا المخلوق المرَيد، فإن الحيوان يعلم بغريزته ما ينفعه وما يضره، إلا أن هذا المستأنس يعلم ولكنه لا يكترث، وترانا إذ نرتضي مجافاته لصوت عقلة فكيف نتصور أن ينخلع من إيهاب عاطفته ويُدخِل أسباب الموت والضرر على نفسه وأهله.. فمن أحق بالحيونة إذاً.!  تتواثب في ذهني عبارة (نيتشه)

 ” إن القرود أكثر طيبة من أن يكون الإنسان قد تحدر منها “

انتقل إلى الصورة الأعنف غرابة وهي حينما أَصفَقَت الدور على أهلها وأمسى الناس رهن الإقامة الجبرية..

 أقول.. هل لامسكم إحساس الوحشة الذي تملكهم وحالة التناكر التي حاقت بهم؟ لقد كانوا ينظرون إلى بعضهم نظر المغشي عليه من الموت، رجالاً ونساءً شيباً وولداناً، وهذا لعمرك من اختلال الفطرة وشذوذ العادة أن أضحت علاقة الناس بمنازلهم أشبه بعلاقتهم بأماكن الخلاء وقضاء الحاجة، ومن الشديد على النفس أن تمكث النفس في مكان قضاء الحاجة من غير ما حاجة،

وكنت أتساءل.. ما الذي جعل الناس تنفر من بيوتها ولا تجد الطمأنينة إلا في الشوارع والأسواق والمجامع..، ما هذا السلوك الشاذ الذي تواطأت على هضمه عوائد الناس الرديئة واستمرأته أطباعهم الهجينة وأصبح الوجود في الشوارع أصلا،ً والمكث في الدور عرضاً..؟

حتى ألفيت تعليلاً لطيفاً لأحد الحكماء يصف هذه الطفرة السلوكية الاجتماعية، سأسوقه بتصرف غير مخل.

 يقول الحكيم: إنما يستوحش الإنسان بالوحدة لخلاء ذاته وغياب الفضيلة من نفسه، فيتكثّر حينئذ بملاقاة الناس طلباً لطرد الوحشة والوحدة عن نفسه بالانغماس معهم.

وأقول من ههنا يرسم السَوَقَة ملامح المجتمعات، فترى الكل لا يحمل بين جنباته سوى الفراغ..  فراغ يلتحق بفراغ هرباً من الفراغ، ولك أن تتصور هيئة المجتمعات حين تُصاغ بأخلاق الفارغين، والعاقل الكيس لا يستقيم له حال ولا يستقر له مقام إذا انغمس في جوف هذه الغيمة الفارغة العقيم التي لو اعِتَصَرت لن تمطر إلا التفاهة والسفة،

 ينقل الخطابي رحمه الله عن العزلة، “أن لو لم يكن فيها إلا السلامة من صحبة العامة والراحة من تعب مجالستهم ومصابرة أخلاقهم وما يستفيده الإنسان من مفارقتهم وكفاية مؤونة تقويمهم وأمنه من غوائلهم في حرصهم على أنفسهم أو إذا أمحض النصح لهم”. وأقول: من ذا الذي يسلم من عَادِية الناس ويأمن بوائقهم في دينه أو دنياه أو بهما معاً وهو يتقلب بينهم،  إن مجانبة هذا الواقع متعين على العاقل بل أنه في أحيان يكون قربة إلى الله.

ويظن الجاهل أن الاستكثار من الناس عِصمة له من صروف الدهر، ونجاة من تنكب النعم وتبدل الزمن وهذا من صميم الغفلة ومن جسيم الغرور لكن الفطن الحصيف يدرك هذا لحال و أن الاستكثار من الناس لا يورث إلا الغم والهم والخيبة والأسى.

 ألم يقل الأول: وما أكثر الإخوان حين تعدهم … ولكنهم في النائبات قليلُ

وإن كان هذا حال الإخوان فماذا تلتمس من سائر الناس.

ينقل عن أحد السلف كلام لطيف ظريف جامع لهذا المعنى، يقول: ” إن من إخواني من لا يأتيني في السنة إلا اليوم الواحد، فهؤلاء هم الذين أعدهم للمحيا والممات، ومنهم من يأتيني كل يوم فيقبلني وأقبله ولو قدرت أن أجعل مكان قبلتي إياه عضه لعضضته”. وأقول: هذا لعمرك عين الحق، ألم ترَ إلى الناس في مجالسهم ومجامعهم كيف يقابل بعضهم البعض بالقبل والأعناق وما إن يتفرقوا وينفض سامرهم يسلق بعضهم البعض بالسنة حداد.

ومن فواحش العوام في هذا الزمان نظرتهم المتدنية لمن رام اعتزال جمعهم وجانب سخف واقعهم، ولو علموا بباطن شعوره تجاههم وما يعتمل في دخيلته إزاءهم لا تستكثر أن يسلطوا صبيانهم ويحرشوا مجانينهم عليه يوسعونه شتماً وضرباً كلما رأوه في الغدو والآصال، فقد قيل للفيلسوف ( طيماوس) لم صرت تسئ لقول في الناس؟ قال لأنه لا يمكنني ان أسيء إليهم بالفعل، ويذكر ايضاً أنه كان مرّة في الصحراء، فقال له إنسان: ما أحسنَ هذه الصحراء، فقال: لو لم تحضرها أنت.

وينقل أن شريكاً القاضي رحمه الله خرج من دار المهدي فاحتوشه أصحاب الحديث فانبرى له رجل فقال: أتريد أن اطردهم عنك يا أبا عبد الله، فقال: وانطرد معهم.

 تلك الأنفس وإن رأيتها تخوض راغمة في فلك الغوغاء إلا أنها سرعان ما تخَنُس إلى ملكوتها المقدس وإن حسبت الجسد هائماً في مدارج المحسوس فإن حقيقتها منجمعة إلى بعضها تتوقى أدنى باعثٍ يهيج جمعها.

لذا ينقل عن أحد السلف انه يقول: إني لأتمنى المرض، فقيل له ولمَ ذلك.! قال: حتى لا أرى الناس.

                                                              

   وكتبه: محمد بن إبراهيم الهدلق

النساء وحيونة الحياة

قياسي
أطوار الزي النسائي البحري

نُشرت هذه الصورة في مجلة المصور لمصرية عام 1927 ميلادي أي ما يقارب 91 سنة، الصورة تحكي أطوارالزي البحري العرفي عند المرأة الأوربية بين حقبتي 1897 و 1927 في ذلك الوقت، ولو أنك قصصت على أحد أن المرأة الأوروبية قبل أكثر من 120 سنة كانت إذا أرادت أن تذهب لتستجم على شاطئ البحر فإنها تكون في غاية سترها وكامل حشمتها وكأنها ذاهبة إلى الكنيسة أو لتأبين فقيد، بالكاد سوف  يسخر من قولك وربما  رجم عقلك بالخرف  أو وصم ذهنك بالتلف.   

اعتبر ان هذه الصورة المنتخبة بمثابة وثيقة أصيلة تعكس لك جانباً خُلقياً من حقيقة الحياة، وأنها في جملة أحوالها ذاهبة للأسوأ، وأن جل سوئها محمول على عاتق النساء، وأن النساء هن الذراع الفاعل في صرف أخلاق الحياة إلى معناها المتسافل، وأن الدركات المظلمة التي أخلدت إليها الحياة ما كانت إلا من وحيهن، وما آلت إلا بهداية أفكارهن، وأنه لم يستقر مزاج الأرض ولم تذهب ثمالة العبث عن صفحتها إلا حينما تقهقرت صولة المرأة وانزجر غرورها.

وأنبه هنا أنني لا اتقصد النقيصة من جنس المرأة والحط من شأنها والنيل من جهودها وجحود مجهودها وازدراء وجودها، فنظرتي لها وفكرتي عنها لا تجاوز ما ذكره الله في كتابه وما أمضاه في سنة نبيه وما تلقفناه عن سلوك أصحابه واتباع أصحابه، وكذا ما ارتضته تجربة التاريخ مع جنسها.

ولكن لو استحب أحد حمل هذه الفكرة على أنها مجرد مشاعر نافرة إزاء المرأة من قِبل كاتبها، فإنني لا أنفي هذه التهمة بالكلية ولكني أقيدها وأوجهها بصدق وعناية إلى ذلك النوع النسائي المارق عن مساره، المتكاثر عدداً والمتغلب أخلاقاً، ذلك النوع الزاحف بفطرته المختلة على نظامنا الحياتي، ذلك النوع الهائم بمشهدنا الاجتماعي إلى غايات مجهولة، ذلك النوع الراكض بنا على مضمار متباعد الوصول،
ركض بسيقان النساء.. لكن اللهث بِرِئات الرجال.

باختصار تستطيع القول أن فكرتي عنها ومبتغاي منها لا يجاوز كثيراً أسوار ذلك البيت القائل:

فهي شيطان إن أفسدتها … وإن أصلحتها في ملك

وأرانا ما نزال محابيس معها في شطر البيت الأول.. بل ومقرنين في الأصفاد..!

المرأة والحياة في فلك السفول

أقول: ولو أمعنت بصيرتك وأسبغت فكرتك لقلت سبحان من أشبه المرأة وأخلاقها بالحياة وأحوالها، وسبحان من جمع بينهما في الطِباع وصالح بينهما في الخِلال وألّف بينهما في الشيم، ولا عجب إن وجدت نصوص الكتاب والسنة في هذا الحيز تنساق مع هذا المساق،

فقد وُصِفت الحياة بأناها غرور وأنها زينة وأنها لعب وأنها شهوة وأنها فتنة وأن النقص مركب أصيل متأصل في  عنصرها، ثم إنك لتدرك في أخلاق النساء وأحوالهن كل ذلك.

وإنك أيضاً لو تأملت نصوص الكتاب والسنة تجد أنها لم تقف إزاء الحياة موقف الحيدة والتقدير ولم تنظر إليها نظرة الإجلال والتبجيل، بل على النقيض من ذلك، تجد أنها ذهبت إلى الحَطّ من قدرها وكشف خبيئتها، وحذرت الركون لها والانغماس في لذتها والتقلب في زينتها، ونبذت الاطمئنان إلى بهرجها والأنس بزخرفها.. وأنها لا تعدو إلا أن تكون وسيلة مفعمة بالابتلاءات محفوفة بالمفُتِنات وذلك للخلوص إلى دار البقاء والخلود، جنة الله الموعودة، الغاية المنشودة لعبادة الصالحين، وأن من أصخى إلى غرورها تخطفته حبائلها، هلك وباء بالخسران المبين.

كذلك تجد في نصوص الكتاب والسنة أنها حاصرت جنس المرأة وجرَّدت لها حسام التقريع والتبكيت وأشارت صراحة أنها ذات طباع حري بمحاذرتها والتحرز من خَطَراتها، وأنها مبعث قلاقل في الحياة لو تركت منفردة لحكومة أخلاقها.

ومن اللطف العجيب أنك تجد في الحديث المتفق عليه أن المرأة والدنيا قد اجتمعتا معاً على معنى من سوء الظن          وأقرب ما يكون إلى مقام الذم، يقول عليه الصلاة (إن الدنيا حلوة خضرة وأن الله مستخلفكم فيها فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) الدنيا والنساء.! نقول: فهل ثمة بعد خفي بين تآخي أخلاقهما وتلاطف سلوكهما؟ وإن كان ذاك.. فمن هو المؤثِر ومن هو المتأثر..؟ لا أعلم ذلك جزماً.. ولكن أظنهما من بعضهما مؤثِر ومتَأثر، غير أن ضلوع النساء في المشهد الكوني أكبر، وذلك لسبق جنايتهن على النوع الإنسي، ليست في الحياة الدنيا وحسب وإنما في الحياة العليا أيضاً، أقصد جنة الخلد، حينما أُهبط أبونا آدم عليه السلام من مقامها العلي، فكثير من النصوص والآثار في هذا الحيز تتجه إلى ذلك الاحتمال القائل بتورط المرأة في الرزية الكبرى التي حاقت بنوعنا الجنسي فأعقبتنا حسرتنا وأورثتنا شقوتنا.

ملحمة الغواية الكونية

 في تفسير قوله جل وعلا (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة.. الآية) يذكر القرطبي رحمه الله عن ابن المسيب قوله: “إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فسكر وكان في غير عقله”، وكان يحلف بالله (يقصد ابن المسيب) أنه “ما أكل من هذه الشجرة وهو يعقل”، ثم أردف القرطبي، أن أول من أكل من الشجرة، حواء بغواية إبليس، وأن أول كلام إبليس  في هذا الأمر كان معها، وأنها قالت  لآدم ذلك فأنكر عليها، وذكر العهد، فألح إبليس على حواء وألحت حواء على آدم، إلى أن قالت:  أنا آكل قبلك حتى إن أصابني شيء سَلِمت أنت، فأكلت فلم يضرها شيء فآتت آدم فقالت: كل.. إني قد أكلت فلم يضرني، فأكل فبدت لهما سوآتهما.

هذه القصة مستفيضة في الشرائع الإنسانية وفي الكتاب المقدس وفي سفر التكوين تحديداً تجد أن آدم وحواء في مقام سؤالهما من الخالق بعد الأكل من الشجرة وبُدوّ سوأتيهما قال آدم: هي أغوتني وقالت حواء: الحية أغوتني، وكانت الحية اسم من اسماء الشيطان، وعلى إثر ذلك تلقت حواء حكماً أرضياً شديداً من ربها، حيث البلاء الذي سوف تلاقيه، والشقاء الذي سوف تعانيه من تعب الحبل وأوجاع المخاض وسلطان الرجل عليها، هذا في سفر التكوين

وإن قلنا أن هذه الأخبار لا تسلم من آفة القديحة التي تعتريها فإن تواردها في التراث الإنساني يسبغ عليها شرعية راسخة،

ومن البراهين القائمة على ثبوتها  قوله عليه الصلاة والسلام: ( لولا بنو إسرائيل لم يخنَز اللحم، ولولا حواء لم تَخُن أنثى زوجها الدهر) هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم ، وفي ظاهره إشارة صريحة على أن الأخلاق الناقصة  عند المرأة إن هي إلا نتاج عامل وراثي (بايولجي)  من حيث الأم الأولى حواء عليها السلام. وتوارث الأخلاق معهود وله واقع مشهود، في الحديث الصحيح (فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم ونسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته) تلك دلالة ظاهرة على مضي عامل التوريث وانسحابها على الأخلاق والشيم من الأصل الأكبر آدم عليه السلام إلى أفرع ذريته الإنسية، فلا جرم إذاً حين يرث النساء هذا الجين الناقص من الأصل الأقدم حواء عليها السلام إلى سائر نساء الأرض كما في الحديث الشريف الآنف ( ولولا حواء ما خانت أنثى زوجها أبد الدهر) إنها إشارة  فصيحة أن باعث الخيانة الأنثوية هي حواء عليها السلام.. وأنوه هنا أن مقصود الخيانة الأنثوية ليس محمول على معناها العرفي الذاهب إلى تدنس العرض وسقوط العفة والتياث الشرف، وحاشاها عليها السلام فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء، هذا على المعتقد وكذلك لا يتصور وقوع هذا المعنى في الجنة ولا ثمة ساكن غير آدم وحواء فيها، وإنما مقصودها محمول على معناها اللغوي الذاهب إلى شح الوفاء وعدم بذل النصح للمنصوح من المظنون به ذلك، والمرأة من أخص من يتوجب عليها حفظ الوفاء ومن أمَسّ من يتشوف منها محض النصح والأظن الاّ يؤتى الزوج من قِبَلها

  لكن حواء في هذا المقام العظيم غادرت ذلك المعنى وصرفت إرادة زوجها إلى غير السبيل الراشد. وهذا معنى له شواهد لطيفة في أخلاق النساء، أنها حينما تتطلب أمراً أو تتشوف بغية، فإن شعورها يقفز بها مباشرة إلى تلك الرغبة التي تتحول في معمل أنوثتها إلى مطلب غائي، حيث تحشد لها كل الوسائل المستطاعة لبلوغها غير مكترثة ولا عابئة بما يترتب على هذه القفزة من سقوط أليم وخيم العاقبة، كما سقط جنسنا البشري ذلك السقوط الأزلي المدوي من جنة الخلد العلية.. أنا هنا أتكلم عن العامل ( السببي )

وكما ذُكر في الإنجيل ” أن الموت جاء إلى العالم مع سقوط الإنسان”، بوسعك أن تستدرك فتقول: أن الموت جاء إلى العالم مع سقوط الإنسان بتحريض النساء.

إن الرغبة الأنثوية تدمر كل الهياكل المنطقية في سبيل منطقة غايتها وبلوغها، مع أن قانون المنطق مجرد من عمل العواطف ومنافٍ لأحكام المشاعر، إلا أن المرأة تريد عالما محكوم بقانون عواطفها المتقلبة الذي تأبى أن يضبطها ضابط سواء كان  من عقل أو من نقل، ومن هنا تطرق إليها النقص الحتمي، ومن هنا جاء التحذير التاريخي من أخلاقها وعدم الاغترار بأحوالها.

في سورة يوسف يقول عز وجل: (إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) في السياق نلحظ، كأن خُلق الكيد وتعاطي سلوك المكيدة سِمة أصيلة انفطرت عليها طبيعة الأنثى ( إنه من كيدكن)، فالكيد يدخل في عمومه بذل الحيلة وحوك المؤامرة وتدبير لأحابيل، والنساء من شِدّ تمكنهن من هذا المعنى وهيمنتهن على هذا الخلق وَصَف القرآن اقتدار كيدهن بأقصى مفردة تُصَوِر قدرة الموصوف وتَفَوق قوته، بقوله: (عظيم) كما وصِف به أكبر ذنب يقترفه العبد وهو الشرك بالله.. (إن الشرك لظلم عظيم)
يعني قدرة لا يقادرها قدرة، وقوة لا يفوقها قوة.

 ويزكّي ذلك المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن ) هذا الحديث عند البخاري ومسلم، وبخلاف اقتضائه بحتمية النقص المضروب على جنس النساء وامتياز جنس الرجال واستعلائهم  عليهن إلا أنه قد ينبعث استفهام لطيف مفاده: كيف تكون هذه الموصوفة بآفة النقص، القدرة على صرع  ذلك المتكامل الحصيف، مليء العقل، سديد الرأي، نافذ البصيرة،  فصرعُها إياه برهان تفوقها ودليل اقتدارها عليه،  وخليق بالمتفوق المقتدر أن يوصَف بالتفوق والقدرة على  من قَدر وفاق عليه وليس العكس، كما أن أولى بالمصروع المنهزم أن يكون أنقص وأحط منزلة من الذي صرعة  وتفوق عليه، فهل ينتظم أن يكون نقصهن من حيث كمالهن،  فهذا منافٍ لشرعة المنطق  ومدركات العقول، لكن نقول: أن الأمر ليس مسلم على تلك الحال، فبالفعل أن المرأة تستحوذ على ملكات عقلية فائقة، لكن هذه الملكات تخضع دوماً لتوجيه الغريزة البهيمية التي تهيمن على أكثر أحوالها حينما تقصد بهذه الملكات دفع  مرهوب أو تخشى فوت مطلوب، فسرعان ما تتلبسها تلك الحالة الحضيضية، فهي لا تُخضِع الغريزة لمعيار العقل وإنما هي تخُضِع العقل لمعيار الغريزة، وهذا الفارق بينها وبين الرجل، ومن هنا جاء التصوير النبوي في صرعها للرجل الذي فاقها بسطة في العقل والجسم.

قوارير من فولاذ

  واعتبر أن الفيلسوف الروائي الروسي (تولستوي) من أجود من جوّد في هذا المعنى وله مثال نفيس نابغ، حيث يذكر في روايته التليدة الوفاق والطلاق أو (لحن كريستر) أن مثل النساء في ذلك كمثل اليهود الذين سادوا وتسيدوا العالم بقدرتهم المالية، فإنهم يحاسبون الشعوب بها على ظلمهم ونبذهم واضطهاد وتسلط الآخرين عليهم، وهكذا لسان حال النساء يخاطبن الرجال قائلات: أنتم تطلبون منا أن نكون مثال الرقة ومثال الإحساس ومثال الطاعة، فنحن كما تبتغون منا، ولكننا بهذه المعنى نستعبدكم ونسود عليكم ونجعلكم رهن اشارتنا.

 هذا إذاً اتجاه تولستوي عن حقيقة المرأة وجنسها مع الرجل أنه أشبهها بسلوك الحركة اليهودية في العالم التي اكتنزت الأموال الطائلة لكنها سخّرت تلك الأموال في تكريس حالة المسكنة والصغار التي ما انفكت تلازمهم عبر التاريخ مع أنه كان بمقدور اليهود أن يرتفعوا من ضعتهم ويقهروا  ذلهم بهذه الأموال، وينسفون به كل العقبات التي حالت دون نهوض كرامتهم وتمكين سيادتهم في العالم، والمرأة كذلك: لو أنها استعانت بهذه الملكات الجاذبة ولم تسخّرها في الحيّز السافل القابع تحت ضغط غريزتها وصرفتها في الجانب السامي لا ارتقت وتفوقت بها.

لكن هل نظن أن تولستوي أفرط في غلوائه حينما أسبغ على المرأة هذا التشبيه الصارم، إن في تراثنا العربي شواهد باذخة تجعلك إن وقفت على شفير خبرها تحقر أي صورة تتجاسر إلى ظنك لتِقرب لك هذ المعنى.

على سبيل المثال  نجد في قصة عِمران بن حطان الخارجي وقد كان على هدي السلف، حيث يذكر الذهبي رحمه الله “أنه كان من أعيان العلماء وحدّث عن عائشة وأبي موسى الاشعري وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين وروى عنه ابن سيرين وقتاده ويحيى بن كثير”، يحكى أنه تزوج امرأة خارجية وقال أنه سوف يصرفها عن مذهبها  ويحتسب أجر ذلك لله ويردها إلى مذهبه، إلا أنه وقع خلاف ما أراد، فيذكر أن هذه المرأة كانت ذات جمال باهر، فوقع  في حبها  حتى انسلخ من معتقده منصرفاً إلى معتقدها فسبحان مصرف القلوب، وعمران هذا  صاحب أشهر قصيدة خارجية، تلك التي يبارك بها  مقتل أمير المؤمنين علي رضي الله و يمجّد من قتله، ابن ملجم  حيث يقول في صدرها:

يا ضربة من تقي ما أرادبها …. إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره حيناً فأحسبه …. أوفى البرية عند الله ميزانا

وماذا لو نبأتك بأعجب من هذا الحديث..

أنك لو علمت أن ابن ملجم هذا الذي يمتدحه عمران بن حطان ما اقترف جريرته وانتحل كبيرته وتأول جريمته بقتل خليفة المؤمنين علي رضي الله عنه إلا بعدما طرقه طارق الهوى فوقع  في غرام خارجية تدعى قطام  بنت الشجنة قد قتل علي أباها وأخاها يوم النهروان وكانت هذه الخارجية فائقة الجمال ذائعة الحسن وقد رآها ابن ملجم  وهي منقطعة في المسجد الجامع تتنسك فسلبت عقله وأُشرِب حبها  ومن شد كَلَفه بها  نسي حاجته التي جاء من أجلها، فخطبها لكنها اشترطت عليه فوق مهراها أن يقتل  أمير المؤمنين رضي الله عنه فاتفقت بغيته مع بغيتها لعنهما الله، فنكحها ثم إنها ما انفكت تحرضه وتؤزه حتى فعل فعلته.. فسبحان مقلب قلوب العباد، المادح والممدوح من النساك العُبّاد ذهبوا فرائس المرأة.. فهذا من مدلول تفوقها النابع من ضعفها

ومن قبيل التنبيه والإنصاف بقي أن نشير إلى أمر مهم، إلى تلك تهمة الصقت زوراً بالجنس العربي ولفقت بهتاناً على ديانتهم، وذلك من قِبَل غريمه الغربي، حيث  ما انفك يروج  أن كل التردي الأنثوي  والنقائص الكونية  التي حاقت بالمرأة ما كان منبعها إلا من حيث كان العرب ودينهم، مع أن الغرب الزاعم بصون قداسة المرأة والمدافع عن حقوقها وتمكين وجودها  هو الضالع الأسبق في حشد المشاعر الباغضة عليها والجامع الأكبر لمثالبها والمنقب الأعظم لمطاعنها،  ثم إنه هو من امتهن أنوثتها واستلب حياءها واستباح عفتها، وإن كانت المرحلة التدينية في الحضارات تمثل الشريان الدافق لتجربة الشعوب الفكرية.. انظر على صعيد العرض ما ذا يقول رهط من رجال الدين عن المرأة، فتجد القديس (برنار) يصف “المرأة أنها آلة إبليس”، وتجد القديس ( أنطونيوس) يقول عنها “أنها معمل أسلحة الشياطين وصوتها فحيح الأفاعي”  والقديس (بونافنتوري) يقول أنها ” نبال الشيطان  و(آرميا) يقول: ” أنها باب الجحيم وطريق الإثم وسم العقرب” وكذلك يرى القديس ( غريغوريس)  “أنها سامة كالصِل وحقودة كالتنين” وأما ي(وحنا) الدمشقي فيذكر أنها “ابنة الغش”،  والمتعصب المسيحي (ترتليانس) يقول عنها أنها: “باب جهنم”. بل وماذا لو علمت عن جبل (آتوس) ذلك القابع في شبه جزيرة جبلية في اليونان يحوي عدداً من الأديرة المسيحية يحظر دخول النساء وكل ما هو مؤنث باستثناء الدجاج لغرض الأكل.

ثم بعد ذلك تنقلب تلك الرؤى والمشاعر إلى تهويمات من المبادئ والقيم المخمرة في أذهان الشعوب، فيتخلق فكراً منحرفاً مشوهاً، كالرأسمالية مثلاً، ورثت هذه المفاهيم الشاذة حول المرأة فسخّرتها كأقوى عامل غريزي لغرض التكسب واستجلاب الربح وتحصيل المنفعة بأي شكل كان، طارحة مبادئ الدين وقيم الأخلاق والفطرة السوية التي تواطأت عليها الإنسانية على مر الدهور بعد أن زوقتها والبستها تلك المعاني الماكرة، فتحررت من قيد رجل واحد فوقعت في عبودية كل الرجال.

حقيقة لا أملك إجابة ملاقية لنوازع هذا البوح المتعري حينما شاهدت هذه الصورة، ولكني أظن أن أصدق البوح، ذلك البوح السارح بعيداً عن عيون الأسئلة.. المجاهر بعيداً عن أسماع الظنانين..

أخوَنة الدين وتخوين المتديّن

قياسي

d8b5d988d8b1d8a9-d985d8add985d8af-d8a7d984d987d8afd984d982.jpg

ونحن شعب وقيادة ورثنا الديانة وصفاء العقيدة في هذه البلاد كابراً عن كابر قبل جماعة الإخوان بأكثر من 190 سنة، بحكم أن كياننا السياسي لم ينهض إلا على أساس راسخ من الدين الخالص المنقى.

تاريخ الشراكة الصادقة بين الدين والسياسة، توأمة متلازمة على مر حقب ثلاث، وهذه خصيصة أفرد الله بها هذا البلد، ولن تجد لها شبيهاً في سائر الأقطار والأمصار العربية والإسلامية المعاصرة.

نستذكر ميثاق الدرعية التاريخي العظيم بين رجل الدين ورجل السياسة، حينما شارط رجل السياسة: الإمام محمد بن سعود رحمه الله، رجل الدين: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، باثاً إليه وجله ومبرزاً له مخاوفه في حال ما إذا تجشم معه بهذا الأمر ونهض بأثقاله فإنه ينصرف الشيخ عنه إلى غيره، فتنثلم حينئذ بيضة الدولة ويتضعضع قوامها ثم تفشل وتذهب ريحها، فكأن الأمام محمد بن سعود رأى أن هذا الأمر لن يستقيم له كيان ولن يستديم عليه بنيان إلا إذا ارتكز على هاتين القائمتين، وأن ذهاب أحدهما يفضي حتماً إلى ذهاب الآخر معه.

فما كان من الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا أن بسط يده وقال: ” ابسط يدك، الدم بالدم والهدم بالهدم ” فكان ميلاد الدولة العربية التي رتقت أمصار الجزيرة العربية، فحلقت بعدئذ دولة عربية إسلامية بجناحي الدين والسياسة ولا غُنية لأحدهما عن الأخر حتى يومنا هذا.

إذاً فالدولة السعودية لم يختطفها المتدين من السياسي كما حدث في إيران، الأمة التي كان نساؤها قبل ثورة الفقيه يذرعن أرصفة طهران ( بالمني جوب) ودور اللهو وحانات الخنا تعمر أزقة أصفهان وشوارع كرمان  ثم أضحت النساء في  طرفة عين  مخُمّرات الرؤوس مُكمّمات الأجساد.

وأيضاً لسنا كباقي الأقطار العربية نشأت شعوبها على التقاليد والأعراف والفطرة السليمة ثم أتى المستعمر فاستفز شُذّاذها ونصّب أراذلها فأفسدوا أخلاقها وهجّنوا أفهامها واتلفوا أفكارها.

هذه قصتنا الوجودية الكبرى، الديانة لا تنفك عن السياسة، والسياسة لا تنفك عن الديانة، بلاد وعباد مصيرهما أن يُحكَمان ويَحكُمان بما أنزل الله، وقد أفصحنا عن هذا المعنى وأعربناه بعد أن دخلت الديار المقدسة تحت جناح سيادتنا، فشئنا أم أبينا أن النظرة المصوبة إلينا والفكرة المنظومة عنا من آفاق العالم أننا حوزة الإسلام وعصمة الدين ومهوى أفئدة جميع المسلمين.

لذا..

لا ينبعث علينا كل مدخول الفهم ولا ينتفش علينا كل موتور الفكر وليمسك عنا كل من في قلبه لَوَث، ومن يريدالنيل من شعائرنا وهتك ثوابتنا وتدنيس قيمنا وطمس هويتنا

لأننا..

أُمة عرفت نقاء الديانة، وصفاء العقيدة، وفطرة الأخلاق الحميدة، قبل الإخوان ب 190 عام.

كتبه

محمد بن إبراهيم الهدلق

 السعوديون والطور الجُحَوي.. تأملات في واقع مجتمعي    

قياسي

جحا

إدخال تسمية توضيحية

هل تساءلت مثلي وأنت تتأمل الواقع الاجتماعي الذي يعيشه السعودي اليوم وإلى أي طور ضاحك بات يتقحم أغواره..؟
حقاً إنني أتساءل..!

لماذا أمسى المصرف الحاضر للحادثات التي تدهمنا أو النواز التي تهبط على مشهدنا لا يسوغ إلا من خلا ذلك الأتون الساخر كأسرع مخلاص لها والافتكاك من أثارها.؟
والمعلوم أن التفاعل مع النوازل والتعاطي مع أثارها مؤشر صدوق وسابر دقيق يُبرز مدى وعي الشعوب وإلى أي بعد تتجه بوصلتهم سواء على صعيدها الفكري أو على صعيدها السلوكي، لكن السابغ على حراكنا اليومي وكأن غيمة من أفيون أمست تظل هاماتنا لا ننفك نستمطر طرائفها ومضحكاتها في الغدو والآصال. والأفيون وأضرابه وإن كان يرجئ آثار العلة ويثبط تفاقمها إلا أنه لا يحسمها، بل إنه مع تلاحق الزمن يدفع نحو تطور تأزمها.. لذا لا أكتمكم وأنا في غمرة الفكرة كنت أكفكف معنى يتواثب في ذهني حول تلك الحالة الساخرة لتي تحاصرنا اليوم، لكني كلما زجرت هذا المعنى ودمدمت بواعثه عاد فامتثل إلى ذهني كرة أخرى حتى ذرعني وأكرهني إلى نثر كنانته لكم فآثرت بثه وإشراككم فيما استبد بي من تصور في أصل تلك الحالة التي تواقع مجتمعنا.
تشعر أن سيرة مجتمعنا اليوم يصدق عليها ما يصدق على سيرة الشخصية التراثية (جحا) لكني قبل أن أشرع في ذلك، أُعيذك أن تحتسبني أنزع إلى تقصد النقيصة أو أعمد ركوب الذم من أنني أشبهت أشهر موصوم بالغفلة وأعظم من التصقت به خلَّة الحمق في تراثانا الأدبي بحال مجتمعنا، فلتترسلعلي بظنك وليحتملني حلمك، فما أزعم المكرم جحا إلا أنه أبعد مهموم وأحسر مغموم لو علم أن سيرته التي سلكها مع أناسه وفي معاشه أورثته هذا المآل.

فقد لا يعلم كثيرنا عن جحا سوى أنه شخص فاكه بسيط استحكمت الغفلة من ذهنه وتأصل الحمق في طبعه، فانعقدت سجيته على تلك الهيئة المضحكة فاتخذه القوم بعد ذلك سُخريّا.. بل وقد يخال أن هذه الشخصية تخلقت من أخيلة الناس فتكلفوا في أخبارها وغالوا في أحوالها وبسطوا لها عالماً افتراضياً زاخراً من الطرائف والفكاهة فتجللت حينئذ برداء أسطوري يجافي الحقيقة، حتى أمست موئلاً رمزياً لكل معنى ساخر أو موقف ضاحك أو أحدوثة هازلة، وقد ضرب العقاد شيء من هذا القصد حين تناول ملامح هذه الشخصية فخلع على صاحبها لقب (أمير المضحكين) وأظنه نحا إلى تعسر أن يتصور العقل حقيقة أن ذات إنسية واحدة بموسوعها أن تتقمص كل تلك الأنماط (الكوميدية) فالزمان والمكان لا يستوعبان حدوث هذه الطفرة الإبداعية مهما تكرمت الظروف.
وبالفعل فقد جاوزت هذه الشخصية تخوم قطرها الجغرافي فوثبت إلى أقاليم أخرى واستنسخت إلى اثنتين فتكونت في إيران وعرفت باسم الملا نصير الدين وكذلك في تركيا وعرفت باسم الخوجة نصير الدين، والحق أن هذه الشخصية فاضت واستفاضت ولا تستكثر لو كانت في زمن الإغريق أن تُنصَّب إله للضحك والفكاهة جرياً على مألوف سيرتهم.
لكن جحا لقب لشخصية حقيقية، يذكر أنه يكنى: بأبي الغصن، واسمه دجين بن ثابت اليربوعي وقيل الفزاري وقد زامن حدثاً سياسياً جليلاً يُظن أن له كبير الأثر في انقلاب نهجه وتبدل سلوكه مع الناس، فقد عاين السقوط الدامي لدولة بني أمية وصعود دولة بني العباس على أنقاضها، والمعلوم أن حدثاً جسيم كهذا سوف يلقي بأثقل الظلال على مشهد الحياة قاطبة، فكثير من الهياكل المألوفة ستتقوض، والراسخ منها ستنفحه ريح الضعضعة ويستبد به الوهن، وفي أدبار هذه التخلخلات الهياكلية حتماً سترتفع أخلاق وتتنزل أخلاق، بحسب هيئة النازلة التي خرت بثقلها على واقع الناس حينذاك، ولك أن تتلمس شيء من هذا المعنى في حراك الحياة وفي أعقاب الثورات الشعبية التي ينتظم في سِلكها الطغام من الناس وأيضاً الانقلابات العسكرية النازفة حينما تبسط هيمنتها الجبرية بالحديد والبارود، فالقاهر المتغلب هو من سَيُسَوّد أخلاقه ويملي على إرادة الشعوب أفكاره و رغباته.
وفي الجملة هذا ناموس التدافع والتعاقب الإنسي وسيرورة الحياة الأرضية، أسباب يزجيها الله سبحانه بخفي علمه ودقيق لطفه.. (فخلف من بعدهم خلف.. الآية) خلف حسن يردفه خلف سيء وخلف سيء يردفه خلف أسوأ، وهكذا تذهب الحياة إلى السوء المحض حتى لا يبقَ على ظهرها من يقول الله الله، وهم شرار الخلق الأخابث والذين عليهم تقوم الساعة.
لكن هنا يَبطُن أمر لطيف، أن الشارع لم يندبنا للتسليم لهذا المعنى وإعطاء مقاليد الحياة لأوباشها يسوقونها بأخلاقهم ويُصرّفونها بأهوائهم، بل أمرنا بمدافعة هذه الأحوال ومغالبة أهلها والتصدي لأسبابها، فالتوجيه النبوي يدفعنا نحو هذه الفضيلة، يقول عليه الصلاة والسلام:( الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا ويصبر على أذاهم).

أعود إلى جحا الذي يذكر أنه كان من أعقل أهل زمانه في ذلك  الوقت وبخلاف ما أشيع عنه من تسلط الغفلة والبَلَه على عقله ورسوخ الحمق والنَوَك في طبعه، بل إن المأثور من تاريخ الرجل تسلل اسمه تراجم الرجال الذين رووا الحديث الشريف عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، وإن نزع هذا المعنى منزع اللبس والاضطراب بين فريق مُثبتٍ وآخر مُنفٍ فما يعنينا هنا أن الرجل كان على قدر من الفطنة والحذق والكياسة، لكن المتقصي لسيرته يبصر أن الرجل استحب أن يستجن بهذه المعاني التي تتخذ من أحوال السخرية مِصَدَّاً كاسحاً دون المآذي المنبعثة من أخلاق الناس وسوء طباعهم في ذلك الحين، سواء على صعيد عوامهم أو خواصهم فقد أُثر عنه أنه كان يقول:( حمق يعولوني، خير من عقل أعوله) وهذا لعمري معلوم من فقه الأخلاق بالضرورة، أن أصحاب الهمم الملتزمون بفاضل المبادئ المتمسكون برفيع القيم هم العرضة الأدنى من الأذى والشر ورداءة أخلاق البشر، ومع الأسف أن هذا الصنف السيء من الناس هو الغالب المتكوثر على صفحة الأرض، فالناس هم من يرسم ملامح أزمانهم ويلون أمزجة أيامهم، وما الزمان إلا وعاء لأهله، إذا تكاثر فيه الفاسد فسد، وإذا تكاثر فيه الصالح صلح، وما صلح زمان محمد عليه الصلاة والسلام إلا بصلاح أهله، وما تقاصر الصلاح فيمن بعده إلا بتكاثر فساد أهله،والنص النبوي الصحيح صريح الدلالة على هذا المعنى ( خير القرون قرني الذي بعثت فيه ثم الذي يلونهم..)
ويبدو أن جحا ليس وحده من تلبسته تلك الحالة الاجتماعية المستعارة ولكن يذكر أن أبا نواس الشاعر العباسي الذائع المطبوع تملكته تلك الحالة وبسطت هيمنتها على فكره وسلوكه مع مجتمعه حينذاك، مع أنه أوتي بسطة في العلم وفطنة ظاهرة في بواكيره، بل إنه جَدَّ في طلب الحديث الشريف ونقل أنه راواه وروي عنه إلا أن شقوة الشاعر غلبته وانتحت به جادة المجون والفحش والخلاعة حتى ذاعت سمعته بذلك وضربت شهرته الأفاق بخمرياته ومنكراته وتشببه بالمردان والنسوان فأمسى مَثَلُه كمثل صاحبنا جحا.. إمام في هذا المقام يُنحَل عليه من الفواحش والمناكير من جنس ما يقول ما هو براء منه.

لكن يذكر كذلك أن ثمة صارف صرف أبو نواس إلى حيث تلك الحالة الهاربة نحو السفول والحضيض الأخلاقي، وأن ظرفه الحياتي الذي كان يحوطه في ذلك الوقت حتم عليه هذا الانتحار القيمي وارتضاء هذا الُمقام السافل. يذكر زكي مبارك عن أبي نواس: “أنه كان يهزل بفضل ما عنى من قسوة الجد، فهو في هزله يمثل الجد في صورة مخيفة” ويردف “أن الحاقدين من معاصريه طوقوه بألوان من النمائم والوشايات وحالوا بينه وبين ما كان يشتهي من منازل المجد، فأقبل على الصهباء يبثها شكواه من الزمن الخادع والرفاق اللئام”.
إذاً كان أبو نواس هارباً من واقع حقيقي إلى آخر افتراضي دفعه إليه خيبة الأمل التي حصدها من أخلاق الُخلطاء والناس عموماً، بعدما كسد نبوغه وبار طموحه وخارت همته في أسواق اخلاقهم. وبالطبع أن مقتضى هذا الحال لا يسوغ أن كل من خاب ظنه في سعيه ولم يكن نصيبه من حظه مكافئاً لطموحة وعطائه أن يلوذ إلى تخوم الرذيلة ويَخلُد إلى قيعان السفه والفسوق نكالاً  بسلوك الحياة التي عاندته ونكاية بانحراف مزاجها عن مشتهاه بغيته حتى استورث هذا المستقر البئيس، ولكننا نُشخّص واقعاً ونقرر حقيقةً أن هذه الأحوال قد تطرأ على أي نفس سوية فتحرفها عن مساقها إلى مساق آخر تماشياً مع ظرف قاهر هيمن على محيطها، فتستجن راغمة وراء أقنعة تضمر من حقيقتها ما لا تظهر،
فهل نحن في غمار هذا الطور الحادث فعلاً.؟
هل حقاً اكتسحَنا اليأس حتى تقنعنا بوجوه السخرية الهازئة نلوذ إلى ضفاف مجهولة نلقي إليها ما أثقلنا من أحمال وما أجهدنا من أعباء.؟ وهل نحن حقاً مثل جحا آثرنا الاعتصام إلى أخلاق افترضنها هرباً من واقع أشد قسوة وأمض مرارة.؟ أم نحن كمثل أبي نواس بين صبوة الهوى وجحود الزمن انصرفنا بين سارب بالليل ومستخف في النهار إلى ثُمَالات موهومة نحرق في أتونها ما يشاكس رغائبنا ويعاند آمالنا في هذه الحياة.

محمد بن إبراهيم الهدلق

 

 مجاعة الزعامة 2/2

قياسي

النفثة المسحورة:

لما انسابت تلك الثورات الغضبى صوب الشرق المنكود، كالنفثة المسحورة ما إن تلامس عروش الجبابرة حتى تخالها ومن عليها كالهباء ، رجفة حاقت بأذهان الشعوب العربية قاطبة من جراء تهاوي السلاطين بهذا المشهد (السحري) …..عنوانها :
أن لو كانت تلك الشعوب المسكينة تعلم الغيب ….. ( ما لبثوا في العذاب المُهين).!

والحق أنه عذاب مُهين ذلك الذي جعل الاحتراق السبيل الأخير للتعبير عن الحالة والمشاعر اللتين يعانيهما الفرد .

وان تفوقت النظم العربية وقطفت ثمرة جهودها أن أوصلت الفرد إلى تلك الحالة من القنوط واليأس المتناهي إلى درجة الزهد في الحياة والخلاص منها بأبشع الصور ، فإنها كذا نجحت على صعيد آخر في ارتسام حالة الجذل والاحتفال التي رانت على محيا المشهد العربي إزاء تلك الثورة وما تلاها ، حتى خيل إليك أنك تعيش   نسخة ثانية من ( نصر الله والفتح ) . مما أغرى المزيد من حالات الاحتراق الذاتي تجوب الأقطار العربية ظناً أن كل زعيم سوف يرى تلك الشعلة الجسدية الملتهبة سوف يرسل قدميه للريح غير معقب كما فعل ابن علي ( الهارب )  في مشهد يحاكي ما يقرأ في روايات( هاري بوتر ) السحرية، بلا ريب أن الذائقة العربية ( العاطفية ) استطعمت ذلك والتهمت الكثير من التفاصيل بمسوغ إعلامي مكين…!

ثورة لأجل ثورة:

وتاريخ العرب الحديث متخم بالثورات .. وكلها بائرة، بل إن المردة الذين نراغمهم اليوم جاءوا على جناح ثورات سابقة مبشرين بميلاد العهد الجديد.. ميلاد الرخاء و الرفاه والكرامة، وقد كانت الشعوب تخلع عليهم أجل الألقاب وفي الميادين تهتفهم بأكمل الأسماء  وأنبل الصفات.. مع بطونهم الضامرة ..ووجوههم الشاحبة من سيما الجوع والعنت.!

وفي العهد القريب اجتثت ( أمريكا ) نظام البعث العراقي ( المستبد ) من جذوره من غير مؤونة ( ثورية )  وحل نظام ( مهجن ) يزعم أنه تسنم السلطة بإرادة الشعب المحضة وعبر صناديق الاقتراع (الفارغة) … وبغض النظر عن ( التراجيديا) العراقية التاريخية كان المنتظر من أي نظام أو حكومة جديدة في النطاق  العربي، اختزال التجربة السياسية العربية بتلافى مثالبها وسوءاتها التي اعتورت مسيرتها على مر الحقب الفائتة، غير أن تلك الحكومة الجديدة لم تكتف بالمصادقة على خيبة العرب السياسية وحسب، بل إنها انتحلت  سلوكات كانت الذائقة العربية الأخلاقية البدائية  تأنف من ذكرها وتترفع عن إتيانها، ثم إن كل رذيلة سياسية ومتلفة إدارية لم تتورع في الولوغ فيها باقتدار  قذر حتى باتت العراق منافساً ضارياً على سيادة قائمة الفساد العالمية ….  ثم أمست العراق كما نرى ( قطعة مَهينة من أرض فارس المجوسية ) وبكل جنون نراها  اليوم لا تفتأ رقصاً على إيقاع البارود الدامي.

إن عاقل العراق اليوم لا بد أنه يتذكر سترة صدام العسكرية وكأنها  بردة  عمر بن عبد العزيز رحمه الله…..!

وتلك ومضة صدوق وإن عكست إجمالا واقعا من فقر العقل العربي السياسي مع كريم  الفرص التي لاحت له لتقديم مشروعه السياسي( العرقي ) المزعوم بعد تحلله  من ثوب الإسلام ، ومدى العوز والبؤس الذي يعتري أدواته السياسية ، إلا أنها تصادق بجلاء حول حقيقة الثورات العربية وكنهها وأنها لازالت مفرغة من أي محتوى نهوضي، وأنها تذهب بعد رحيل النظام أو سقوطه إلى فوضى عارمة تعطي الشرعية الحتمية لتخلّق شخصية (الدكتاتور)  أو الطاغوت العربي الجديد .والإرهاصات تطفوا الآن على المشهد التونسي والمصري على حد سواء، ولكن في الحالة المصرية فإنها احدوثة  تخالها من شوارد ( صندوق العجائب)، مثخنة بالأشجان متخمة بالعبر:

فاصل ….ثوري:

في مصر  دوّت صرخة المضنوكين في وجه ( الزعيم المخضرم ) حتى نبذته خارج أسوار الملك، في مشهد طافح بالخزي ناضح بالعار ، لقد كان يعتصر كبرياء سني ملكة المجيد يتسول منها قطرات من كرامة يواري بها سؤدده العتيق، ولكن ليت شعري، فلات حين سامع .
استحالت الأفواه بنادقا والصريخ رصاصا وسُكّرت الأبصار وصمت الآذان ، فتزلزلت أركان الجبروت وتمزقت أوصال البطش وانفجرت أرض الكنانة في بضع ليال حسوما،…… فيا للعجب ……!

غادر المسكين أسيفاً والكمد يأكل جوفه الموجوع ،غادر المسكين والأثاث والرياش وسرادق القصر العثماني المشيد يزفون خطاه الأخيرة همساً بصوت واحد حسير:
رزقت ملكا لم أحسن سياسته *** وكل من لا يسوس الملك يخلعه

والمشهد الذي كان ينازع الظهور في الحكاية المصرية والتهمته
العاطفة العربية بوازع من الآلة الإعلامية العربية العتيدة ،أن حالة الإذعان والسكينة التي تغشت ( الزعيم ) وعبق الموادعة التي رانت على كلماته ساعة الاحتضار ( السياسي ) الأليم، ليست محض إنابة وتراجعات سياسية وحسب، بالتأكيد ..أن الأمر ليس كذلك….

ألم تروا ذاك ( المارد) الأمريكي الجاثم على صدره يرقب سكناته وحركاته… كان يعدد أنفاسه ، لقد كان يجرعه الشواظ ، والحق أنه ما كان يسيغه غير أن أدوات ( الأسطورة) تفوق معطيات (الحقيقة) بكثير ….. لقد ابتلعه المارد وكأن لم يغن في الحياة.. إنه أوان الوفاء أيها الزعيم..  فما كانت ( سماء القاهرة بدولارات أمريكا ممطرة ) لأجل بريق عينيك العربيتين الكريمتين، ثم استدبر هذا المارد الشرق المحترق وثمة شعب عربي يئن  ولا أثر له ولا خبر ولعله تلاشى في قمقمه التليد يغط في سبات أبدي….!

 أطوار طاغوتيه:

هنا لسنا بحاجة  أن نستعرض  مسار الموجة الثورية العربية حتى نهايتها والتي بدأت تأخذ شكلا يتفق بالفعل والطبيعة السياسية العربية التقليدية حيث التعامل بمهنية فائقة وإنسانية متناهية مع أحوال التبرم الشعبي ولو كان مجرد من أي (نزوة سياسية) فإن معاني (القمع و التنكيل ) سوف تنتهض وتبعث على الفور وتشرع  تأخذ أدوارها الاعتيادية ،
أقول:

لو أن التجربة الثورية الأولى انطلقت من البوابة السورية أشك أنها سوف تتجاوزها و تواصل سيرورتها بانسياب مروراً بباقي الأقطار العربية  ، فالمعلوم أن النظام السوري الراهن أطبق على مفاصل الحكم بتفوق بعد أن أسدل الستار على مسرح الانقلابات الدامية التي اعترت الساحة السياسية السورية بُعيد الاستقلال، ولكنه خرج من تلك التجربة (كالكلب العقور) الذي  استقرت مشاعره و مداركه بين فكيه،  فما عاد يحسن  من السلوك سوى العض والنهش،  ومن بعد  مجزرة حماة… ملحمة النظام الوحشية ..ميلاد الذعر والرهق والمسغبة.. لقد كان شطر البارود الذي غشى حماه  والعسكر الذين دهموها كفيلين بتطهير الجولان المغتصبة واسترجاعها، ولو قدر واستمرت جذوة الهمة الفاجرة التي ساقت ذلك، لا نجازف لو قلنا  أيضاً.. شيء من أرض فلسطين المحتلة .

لقد باتت تلك المجزرة أشبه بينبوع الخوف الدافق يروي منابت الموادعة والتسليم والمصابرة بل والمدافعة أيضاً  لأي خاطرة شقية تتوجس أحوال التبرم والضجر  من تلك الأغلال الثقال التي ضربها هذا النظام ( العربي ) الغاشم .

بعد هذا أيقن السوريون  أنهم إزاء نظام بالفعل قد (استكلب )  ولا  طاقة لهم ولا سبيل  بدفعة وعليه يتوجب أن ( لا يعدلوا بالسلامة شيء)…ولكن.. للأسف .. أن الإمعان في تعاطي حالة قهرية كتلك أقل ما تورث هو هالة  التقدس التي سوف تحوط الزعيم وكل شيء يقوم مقامه  ،فالحياة سوف تدور في فلكه ، وإيقاعها  سيغدو مُسبحاً بحمده مقدساً له، ثم أن أي شذوذ عن تلك الوتيرة  الجبرية و التناغم القسري سوف يعد مروقاً عن المشيئة يوجب النكال والعذاب الأليم ، والإبادة التي يتعاطها هذا النظام الفاجر ضد شعب بأكمله تصادق على أن هذا المفهوم استبد به وأنه يتيه في طور مجنون من أطواره وهو : أن هذا (الطاغوت) يزمع أن يسحق هذا الشعب عن بكرته ويأتي ( بشعب جديد). يحكمهم حسب مشيئته.

بين ثورتين …ومضة:

بين الحالة المصرية والسورية ،الفائدة اللامعة تقول:

أن التجربة السياسة العربية تبوء بجلاء أنه كل ما استبد النظام الحاكم بالسلطة واستقل بعراها وتحرر من أي قيود خارجية ضاغطة تفرضها المصالح والمنافع المشتركة فأنه يستحيل إلى جبار عاتٍ متغطرس، وأن مقدرات البلاد ملك مشروع له ولأهله، وأن الشعب مسخر في خدمته أو كأنه من بواقي ( جاهه ) ، و لا يتورع عن فعل أي أمر يعزز به سلطانه ويوطد به جبروته .

إذاً..

لا زال من صالح جل الشعوب العربية أن تكون رقاب أنظمتها الحاكمة ( الواهنة) في قبضة الغير من (القوى الأجنبية ) درءا لوابل البارود الغضوب الذي يستشعر أحوال التأفف والتسخّط الشعبي عن بعد.

لجينيات ٢٠١١/٨

محمد بن إبراهيم الهدلق

مجاعة الزعامة 2/1

قياسي

واﻟﺰﻋـﻴﻢ اﻟﻌـﺮﺑﻲ ﻳﺘـﺴﻨﻢ اﻟـﺴﻠﻄﺔ وﻳﻌـﻠﻢ ﻳﻘﻴـﻨﺎً أن ﻟﻦ ﻳﺒﺎرﺣـﻬﺎ ﻫﻮ وذرﻳـﺘﻪ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ وﻟﺞ

(اﳉـﻤﻞ ﻓﻲ ﺳﻢ اﳋـﻴﺎط) ذﻫـﺎﺑﺎً إﻳـﺎﺑﺎ إﻟﻰ ﻳﻮم اﻟﺪﻳﻦ ، ﻓﺎﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ وﻣﻌﺎﻧﻴـﻬﺎ ﳑﺎ ﺟﺒـﻠﺖ ﻋﻠﻴـﻬﺎ
ﻓﻄﺮﺗﻪ، وﻣﻔﺮدﺗـﻬﺎ اﻧﺘـﺴﺠﺖ ﻣﻊ وﻋـﻴﻪ ﻣﻨﺬ أﻣﺪ ، ﻏـﻴﺮ أن اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻷول ( اﳉﺎﻫﻠﻲ ) ﻛﺎن
ﻳﺮوﻣﻬﺎ وﻳﺘﺮﻗﻰ ﻓﻲ ﻣﻌﺎرﺟﻬﺎ ﺑﺠﻤﻠﺔ ﻣﻦ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ واﳌﻌﺎﻧﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﺴﻤﻮ ﺑﻪ ﺑﻌﻴﺪاً ﻋﻦ اﻷﺛﺮة
و ﺣﻆ اﻟﻨــﻔﺲ ، وﻛﻠــﻤﺎ أوﻏﻞ ﻓﻲ ﺗﻌﺎﻃﻴﻬــﻤﺎ  و أسرف في ﺗﻌﻈﻴﻤﻬــﻤﺎ ﻛﻠــﻤﺎ ﲡﺬّر اﺳﺘﺤﻘﺎﻗﻪ ﻓﻲ السيادة والشرف والمآل الإجتماعي المجيد ، وﻧـﺤﻦ ﻧـﻘﻮل ﻫﺬا ﺑﺤـﻜﻢ أن اﳊﺮاك اﻟﻌـﺮبي
ﺟﻤـﻠﺔ ﻛﺎن ﻗـﺒﻞ اﻹﺳﻼم ﻻ ﻳـﻌﺪو ﻧـﻄﺎق اﻟﻘﺒﻴـﻠﺔ ذات اﻟﻨـﻤﻂ اﳊـﻴﺎﺗﻲ اﻟﺒـﺴﻴﻂ ﻋـﻠﻰ ﺷﺘﻰ
اﻟــﺼﻌﺪ ،أﻣﺎ اﻟﻌــﺮﺑﻲ ( اﳊﺪﻳﺚ ) ﻓــﻠﻢ ﺗﻜــﺸﻒ ﲡﺮﺑــﺘﻪ اﻟﺴﻴــﺎﺳﻴﺔ ﺳﻮى ﺟــﻮﻋﺔ ﺳﻠﻄﻮﻳﺔ
ﻣـــﺠﺮدة ﻣﻦ أي ﻣﻌـــﻨﻰ ﻣﻦ ﻣـــﻌﺎﻧﻲ اﻷ ﺳﻼف اﻟﻔـــﺎﺿﻠﺔ ،واﺳﺘﺌﺜﺎر ﺻﺎرخ ﺑـــﺄﺳﺒﺎﺑﻬﺎ
،وﻣﺴﺒﺒﺎﺗﻬﺎ ، ﻟﺬا ﺣﻮت ﺑﻮاﻛﻴﺮﻫﺎ ﻋﺠﺒﺎً ﻣﻦ اﻟﺴﻔﻪ واﻟﻄﻴﺶ واﳌﺮاﻫﻘﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ اﳌﻨﻜﺮة
وﻻ ﺗﺜﺮﻳﺐ ..! إذا ﻋﻠﻤـﻨﺎ أن آﺧﺮ ذﻛﺮى ﻟﻠﻌـﺮﺑﻲ ﺑﺎﻟـﺪوﻟﺔ واﻟـﺴﻠﻄﺎن ﺑـﻌﺪﻣﺎ ﲤـﺰﻗﺖ أﺷﻼء
اﳌﺴﺘﻌـﺼﻢ اﻟﻌﺒـﺎﺳﻲ ﲢﺖ ﺳﻨﺎﺑﻚ ﺧـﻴﻞ اﻟﺘـﺘﺎر وﺳﻘﻮط اﳋﻼﻓﺔ، ﻓـﻠﻢ ﺗـﻘﻢ ﻟﻪ ﺑـﻌﺪ ذﻟﻚ
ﻗﺎﺋﻤﺔ، ﺗﺬﻛﺮ واﻧﺘﺒﺬ ﻣﻦ ردﻫﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻫﺎﻣﺸﺎً ﻗﺼﻴﺎً ﻻ ﻳﻌﺘﺪ ﺑﻪ ﻓﻲ دﻳﻮان اﻷﱈ، ﺣﺘﻰ
ﺳﻘﻄﺖ دوﻟﺔ اﳋﻼﻓﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧــﻴﺔ ) اﻟﺘﺮﻛــﻴﺔ( وﻗﺪ ﻛﺎن ﺧﻨــﺠﺮاً ﻣﻜﻴــﻨﺎً أورده
اﳌـﺴﺘﻌﻤﺮ ﺑﺤﺮﻓـﻴﺔ ﻓﺎﺋـﻘﺔ ﻓﻲ ﺧـﺎﺻﺮﺗﻬﺎ، ﺣﻴﻨـﻤﺎ أﻏﺮاه ودﻻّه ﺑﺎﻟـﺪوﻟﺔ واﻟـﺴﻠﻄﺎن ﻣﻦ ﺣـﻴﺚ ﻋﺮﻗﻪ ذي اﻟﻘﺪاﺳﺔ اﳌﻮﻫﻮﻣﺔ ﺛﻢ ﻃﻔﻖ ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ ﳝﻨﻴﻪ وﻳﻌﺪه.. وﻟﻴﺖ ﺷﻌﺮي..

فهل(ﻳﻌﺪ اﻟﺸﻴﻄﺎن إﻻ ﻏﺮورا)..

ﻏﻔﻮة .. ﻋﻠﻰ ﻣﺮﻗﺪ اﻟﺸﻴﻄﺎن:

وﻓﻲ ﳊـﻈﺔ زﻣﻨـﻴﺔ ﺛﻤـﻠﺔ، أو ﻗﻞ ﻧﻔـﺤﺔ )ﺑﺮزﺧـﻴﺔ( ﺗﻐـﺸﺖ اﳌـﺸﺮق اﳉـﺪﻳﺪ، اﻧـﺼﻬﺮت ﻓﻲ
ﻏـﻀﻮﻧﻬﺎ ﻛﻞ اﻟـﺜﻮاﺑﺖ واﳌـﺒﺎدئ اﻟﺘﺎرﻳﺨـﻴﺔ وأﺿﺤﺖ اﻟﻬـﻤﻮم اﻟﻌﺮوﺑـﻴﺔ واﻵﻣﺎل اﻟـﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ
ﻓﻲ ﺣﻘﻴﺒﺔ ( واﺣﺪة ) ﻳﺘﺄﺑﻄﻬﺎ اﳌﺴﺘﻌﻤﺮ أنّى ذﻫﺐ ﻓﻲ اﶈﺎﻓﻞ اﻟﺪوﻟﻴة.. ﻣﻊ ﻗﻠﻴﻞ ﻣﻦ
اﻟﻐﻀــﺎﺿﺔ ﺗــﺴﺘﻄﻴﻊ اﻟــﻘﻮل ﻓﻲ ﻏــﻤﺮة ﺗــﻠﻚ اﻟﻐــﻔﻮة (اﻷﺧﻼﻗــﻴﺔ اﻟﺴﻴــﺎﺳﻴﺔ ) أن اﻟﻌــﺮوﺑﺔ
واﻟـﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ أﺻﺒﺤﺘﺎ وﺟﻬـﲔ ﻟﻌﻤـﻠﺔ ﺳﻴـﺎﺳﻴﺔ واﺣـﺪة.واﻟﺬي ﻗﺎم ﺑـﺴﻚ ﺗـﻠﻚ اﻟﻌﻤـﻠﺔ ﻫﻮ
.،!..ﻣﻦ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ وﺣﺪه ﺻﺮﻓﻬﺎ ﻓﻲ اﻷﺳﻮاق اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ
ﻟﻘﺪ اﺳﺘﻨﻬﺾ اﳌﺴﺘﻌﻤﺮ اﻟﻐﺮﺑﻲ )اﻟﺬِﻛﺮ( اﻟﻌﺮوﺑﻲ اﳋﺎﻣﻞ و ﺑﻌﺜﻪ ﺟﺴﺪ ﻋﺎرﻳﺎً ﻣﺠﺮدًا ﻣﻦ
ﺷﻌﺎره ودﺛﺎره وأي أﺛﺮ ﻳﺬﻛّﺮه بذكر ( اﻹﺳﻼم ) وﻣﺬ ﺗـﻠﻚ اﳊﻘـﺒﺔ ﺣﺘﻰ اﻟـﻴﻮم ﻣﺎ اﻧـﻔﻚ ﻫﺬا
اﳉﺴﺪ اﻟﻮاﻫﻦ اﻟﻔﻘﻴﺮ ﻳﺘﺮﻧﺢ ﻳﺒﺤﺚ عمَ ﻳﻮاري ﺳﻮأﺗﻪ .. ! ﻟﻘﺪ ﲤﺮغ ﺑﺘﻔﺮد واﻣﺘﻴﺎز ﻓﻲ
أوﺣﺎل  ﻣﺎ ﺧﻠﻔـﺘﻪ اﻟﺘﺠـﺮﺑﺔ اﻹﻧـﺴﺎﻧﻴﺔ اﻟﻔﻜـﺮﻳﺔ اﻟﻘـﺎﺻﺮة وﻣﺎ ﻓﺘﺊ ﺣﺘﻰ اﻟـﺴﺎﻋﺔ ﻓﻲ دأب
ﻳﻠـﻬﺚ ، وﺑـﻌﺪ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻧـﺼﻒ ﻗﺮن، ﻟﻚ أن ﺗﺘـﺄﻣﻞ ﻋـﻠﻰ رﻗـﻌﺔ اﻟـﻮاﻗﻊ اﻟـﺼﺮﻳﺢ، اﻟﻜـﻴﺎن
اﻟــﺼﻬﻴﻮﻧﻲ ) اﻟﺪﻋﻲ ( واﻟﻜــﻴﺎن اﻟﻌــﺮﺑﻲ ) اﻷﺻﻴﻞ (، ﺑــﻌﺪ أن ﺗــﺮﻛﻞ ﻣﻦ ذﻫــﻨﻚ ﻓــﻜﺮة
اﳌﺆاﻣﺮة اﻟﻐﺎوﻳﺔ اﻟﺘﻲ أوردﺗﻨﺎ اﳌﻬﺎﻟﻚ، وﻣﻜﺎﺋﺪ اﻟﻌﺪى وﺣﺒﺎﺋﻠﻬﻢ اﻟﻔﻜﺮﻳﺔ اﳋﺒﻴﺜﺔ ،وأﻧﻬﻢ
ﻓﻲ ﺷﻐﻞ ﻳﺘﺮﺑـﺼﻮن ﺑـﻨﺎ اﻟﺪواﺋﺮ…إذاً: ﻟﻦ ﺗﺘـﺄﺳﻰ ﺳﻮى ﻋـﻠﻰ ﻣﻦ أذﻫـﺒﻮا ﺷﻄﺮ ﺣـﻴﺎﺗﻬﻢ
ﺣـﺴﺮات ﻳﻨـﺸﺪون اﻟـﺴﺒﻴﻞ وﻳﺘﺤﻴـﻨﻮن اﻟـﻀﺎﻟﺔ ﺣﻮل ﺳﺮ ﺣَﺮن ﻫﺬا ( اﻟـﻌﺮق ) ﻓﻲ ﻣـﺮﺑﺾ
اﻟﺘﺨــﻠﻒ اﻷﳑ ﻲ وأﻧﺖ ﺗــﻘﺮأ ﺣﻮل اﻟﻨﻬــﻀﺔ اﻟﻌﺮﺑــﻴﺔ وﻧــﻘﺪ اﻟﻔــﻜﺮ واﻷﺧﻼق واﳋﻼص
اﻟﻌﺮﺑﻲ، وﻛﺄن ذاك اﻟﻌﻨﺼﺮ ﺑﺎت ﻣﻦ أﺳﺮار اﻟﻜﻮن وﻏﻮاﻣﺾ اﻟﺪﻫﺮ وﻟﻢ ﻳﺰدد اﳊﺎل اﻟﻌﺮﺑﻲ بذلك ( إلا خبالا )

اﻟﺴﻠﻄﺎن و اﳌﺘﺴﻠﻂ ﻋﻠﻴﻪ:

ﻣﺎ إن ﺷﺮع اﳌـﺴﺘﻌﻤﺮ ﻳﺘـﺠﺎوز ﺗـﺨﻮم اﻟـﻌﺮب ﺣﺘﻰ ﻫﺮع ﻛﻞ ﻣﻦ ﻳﺮى أﻧﻪ ﺧﻠـﻴﻖ ﺑﺎﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ
ﺻﻮب ﺑﻨﺪﻗﻴﺘﻪ اﳌﺴﺘﻌﺪة ﻟﻠﻔﺘﻚ ﺑﻜﻞ ﻣﻦ ﺗﺴﺎوره ذاﺗﻪ ﺑﺤﻠﻢ اﻟﺘﺰﻋﻢ واﻟﺮﺋﺎﺳﺔ ، ﻓﻲ ﺳﺒﻴل
ذﻟﻚ ﻃﻔﻘﺖ اﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﳉﻤﺎﺟﻢ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺗﺘﻬﺎﻓﺖ ( ﻛﺄوراق اﳋﺮﻳﻒ)  ﺣﻴﻨﻬﺎ ران ﻋﻠﻰ
اﻟﺬﻫﻦ اﻟﺴﻴـﺎﺳﻲ اﻟﻌـﺮﺑﻲ أﻧﻪ ﻟﻦ ﻳﻨﺘـﻈﻢ أﻣﺮ اﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ وﻟﻦ ﻳـﺴﺘﺘﺐ ﺣﺎﻟـﻬﺎ إﻻ إذا أﻃـﺒﻖ ﻛﻞ
ﻣﻦ ﻳـﺰﻣﻊ ﲡـﺸﻤﻬﺎ ﻋـﻠﻰ ﻣﻔـﺎﺻﻞ اﳊـﻴﺎة ﻗﺎﻃـﺒـﺔ،وﺑﺎﻟﻄﺒﻊ أن أﻗﺪر ﻣﻦ ﻳـﻀﻄﻠﻊ ﺑﺘـﻠﻚ اﳌﻬـﻤﺔ
ﺑﺤﺮﻓـﻴﺔ وﻣـﻬﺎرة ﻫﻢ ( ﺟـﻨﺲاﻟﻌـﺴﻜﺮ ) اﻟﻔـﺎﺗﻚ اﻟـﺴﺎدر، وﺑﺎﻟﻔـﻌﻞ ﻟـﻘﺪ ﺗﻌـﺴﻜﺮت اﳊـﻴﺎة
اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ وﲤﺎﻫﺎ ( ﻣﻴﻜﺮوب  اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ ) ﻓﻲ ﺗﻔﺎﺻﻴﻠﻬﺎ وﺑﺎﺗﺖ زﻓﺮات اﳌﻮاﻃﻦ اﳌﻐﻠﻮﺑﺔ ﻻ
ﺗـﺄﺧﺬ ﺳﺒﻴﻠﻬﺎ ﺳﻮى ﻣﻦ ﺧﻼل رﺋﺔ ( ﻋـﺴﻜﺮﻳﺔ ) ﻣﻔﻌـﻤﺔ ﻋﺎدةً ﺑﻌـﺒﻖ اﻟـﺒﺎرود، وأﺿﺤﻰ
اﻟﺘﻮﺟﺲ واﻟﻘﻠﻖ واﶈﺎذرة و ﻛﻞ معاني وصور ( اﳋﻮف) ﻣﺴﺘﻌﻤﺮات وﺟﺪت ﻟﻬﺎ ﻓﻲ
اﻟﺬﻫﻦ اﻟﻌـﺮﺑﻲ ﻣﺮﺗـﻌﺎً ﺧـﺼﺒﺎً ﻛﺮﳝـﺎً،ﻓﺎﺧﺘﻨﻖ اﻟﻔـﻜﺮ وﺿﻤﺮ ﺟـﻤﻮح اﻹﺑﺪاع وﺧـﺒﺖ ﺟﺬوة
اﻟﻬـﻤﺔ، وﺗﺄﻟﻘﺖ اﻵﻟﺔ اﻹﻋﻼﻣـﻴﺔ واﻟﺘﻌﻠﻴﻤـﻴﺔ ﺑﺘـﺮﺳﻴﺐ اﻟﺒﻼدة اﻟـﺸﺎﻣﻠﺔ واﻟـﻀﻠﻮع ﺑﺘﻮرﻳﺜـﻬﺎ
.ﺟﻴﻼً ﺑﻌﺪ ﺟﻴﻞ، ﺣﺘﻰ ﺗﺸﻜﻞ وﻋﻲ ﻣﺜﻘﻞ ﺑﺄﻛﺪاس ﻣﻦ ﻣﺨﻠﻔﺎت اﳉﻬﻞ واﻟﻔﻘﺮ
ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻳﺸﺮق ﺳﺆال ﻳـﺤﺎﻛﻲ واﻗﻊ اﻟﻴﻮم :ﻣﺎذا ﻧﺘـﺄﻣﻞ أن ﺗﻘﺬف ﺑﻪ أي ﺛﻮرة ﺗﺨﻠـﻘﺖ ﻓﻲ

رﺣﻢ ﻛــﻬﺬا ….؟ أو أي رﻏــﺒﺔ ﻓﻲ ﻣــﺸﺮوع ﻧﻬــﻮﺿﻲ، ﻓﺎﻷﺳﺎس ﻓﻲ أﺻﻠﻪ ﻣﺎﺋﺪ وﻻ
.ﻳﺴﺘﻮي ﻋﻠﻰ ﺻﻔﺤﺘﻪ أي ركاز أو بناء

ﺛﻮرات اﻟﺸﻚ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ:

ﻟـﻘﺪ ﺑﺎت ﻣﻔـﻬﻮم اﻟـﺜﻮرة ﻣﻦ أدﺑـﻴﺎت اﻟﺴﻴـﺎﺳﻴﺔ اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻟﻠﺨﻼص ﻣﻦ وﻃﺄة اﻟـﻮاﻗﻊ وأﻏﻼل
اﻷﻧﻈـﻤﺔ اﻟﺜﻘﻴــﻠﺔ، وﻣﻦ ﺑـﻌﺪ اﻟـﺜﻮرة اﻟﻌﺮﺑــﻴﺔ اﻟـﻜﺒﺮى اﻟﺘﻲ ﺗﺰﻋﻤـﻬﺎ اﳊـﺴﲔ ﺑﻦ ﻋـﻠﻲ ﺿﺪ
اﻟــﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧــﻴﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﲟﻌــﺎوﻧﺔ اﻻﳒﻠــﻴﺰ وﻫﻲ ﲡــﺮﺑﺔ ﺗﻌﺘــﻮرﻫﺎ اﻟﺮداءة وأﻋﻮز إﻟﻰ
أﺑﺠﺪﻳﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ أﺿﺤﻰ اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻻ ﻳﺮى ﺳﺒﻴﻞ ﻟﻠﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ واﻗﻌﻪ اﻟﺒﺌﻴﺲ واﳋﺮوج
ًﻣﻦ درﻛﺎﺗﻪ اﳌﻈﻠــﻤﺔ ﺳﻮى ﲟﻔــﻬﻮم ( ﺛﻮري ) وﺣــﺴﺐ ، ﺣﺘﻰ أﺿﺤﺖ اﻟــﺜﻮرة رﻣﺰا ملهما
وأﺳﻄﻮرة ﻣﺤﺒﺒﺔ اﻧﻔﻄﺮت ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻟﻨﻔﺲ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﳌﻘﻤﻮﻋﺔ ،وﻣﺜﻠﻤﺎ ﻧﺸﺄت وﺗﺮﺳﺒﺖ ﺛﻘﺎﻓﺔ
اﳌﻬـــﺪوﻳﺔ ( اﳌـــﻬﺪي اﳌﻨﺘـــﻈر ) ﻓﻲ اﻟﻮﻋﻲ اﻟﻌـــﺮﺑﻲ و اﻹﺳﻼﻣﻲ وﺑﺎﺗﺖ ﻣﻦ ﻣـــﺪﻏﺪﻏﺎت
اﻟـﻮﺟﺪان اﳌـﻀﻄﻬﺪة اﳌﻘـﻬﻮرة ﻛﺎن ﻣﻔـﻬﻮم اﻟـﺜﻮرات اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻛﺬﻟﻚ، ﻛﻠـﻤﺎ اﺷﺘﺪ اﻟـﻐﻞ
واﻛﻔـﻬﺮ وﺟﻪ اﳊـﻴﺎة اﻧﺒـﺠﺲ ﻓﻲ ﺧﻠـﺠﺎت اﻟﺬات اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻫﺬا اﳌﻌـﻨﻰ اﳊﻤـﻴﻢ وأﺳﺮﺟﺖ مطيتها لتيمم إلى حيث
المجهول ،ﺣﺘﻰ ﺗـﺴﺮب ﻫﺬا اﳌﻌـﻨﻰ إﻟﻰ اﻟﺬاﺋـﻘﺔ اﻟـﺸﻌﺮﻳﺔ، وﻓﻲJﻣﻄﻴﺘـﻬﺎ ﻟﺘﻴﻤﻢ إﻟﻰ ﺣـﻴﺚ ا
وﻗﺖ ﻣﺒﻜﺮ أﺧﺬ ﻳﺘﺴﻠﻞ إﻟﻰ ﻗﺮاﺋﺢ اﻷدﺑﺎء ، وﻧﺘﺬﻛﺮ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺿﺎﻗﺖ اﻟﻌﺮاق ذرﻋﺎً ﺑﺎﳌﻠﻜﻴﺔ
واﺳﺘﺜﻘﻞ اﻟﺸﻌﺐ وﻃﺄﺗﻬﺎ ﻛﺎن راﺋﺪ ﺷﻌﺮ اﳊﺪاﺛﺔ اﳌﺒﺮز ﺑﺪر اﻟﺴﻴﺎب ﻋﻠﻰ ﺷﻔﻴﺮ اﳊﺪث
وﻳﺘﺮﺑﺺ ﺑـﻬﺎ ﺣﺘﻰ اﻧﻔﻠـﻘﺖ ﻗﺮﻳﺤـﺘﻪ ﺑﺄﺟـﻤﻞ ﻣﺎ1958ﻳـﻨﺎﺟﻲ ﺛﻮرة ﲤﻮز اﻟﻮﻃﻨـﻴﺔ ﻋﺎم
ﻗﻴﻞ ﻓﻲ دﻳﻮان اﻟﺸﻌﺮ اﳊﺪﻳﺚ (( أﻧﺸﻮدة اﳌﻄﺮ )) اﻟﺸﻬﻴﺮة، ﻛﺎن اﻟﺴﻴﺎب ﻳﺸﻜﻮ ﻣﻦ
ﺟﻮر اﳌﻠﻜــﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺟﻮﻋﺖ اﻟــﻌﺮاق وأﺟﺪﺑﺖ أرض اﻟــﺮاﻓﺪﻳﻦ ووﻫــﺒﺖ ﺧﻴﺮاﺗــﻬﺎ اﳉﺰال
ﻟﻠﻤـﺴﺘﻌﻤﺮ اﻟﻐـﺮﺑﻲ، ﻓـﻜﺎن رﻣﺰ اﳌـﻄﺮ ﻫﻮ اﻟـﻐﻮث وﻫﻮ اﻟـﺒﺎﻋﺚ ﳊـﻴﺎة ﻣـﺸﺮﻗﺔ ﺟـﺪﻳﺪة وﻟـﻜﻦ
ﺳﺮﻋﺎن ﻣﺎ ﺗﺒﺨﺮت آﻣﺎل اﻟﺴﻴﺎب و ﺧﺎﺑﺖ ﻇﻨﻮﻧﻪ واﺳﺘﺤﻮذ اﻟﻌﺴﻜﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺪرات اﻟﺒﻼد
وأرﻫـﺒﻮا اﻟﻌـﺒﺎد، وﺑﺎت اﳌـﺴﺘﻌﻤﺮ ذﻛﺮى ودودا إزاء اﻟﻨﻈﻢ اﻟﺘﻲ ﺗﻮاﻟﺖ ﺑـﻌﺪه، واﻟﻌـﺠﺐ أن
ﻋﺎد اﻟــﺴﻴﺎب أدراﺟﻪ ﻳﺘﺮﺑﺺ وﻳﻌــﻘﺪ ﺣــﺒﺎﺋﻞ أﻣﺎﻧﻴﻪ ﺑــﺂﻣﺎل ﺛﻮرة ﺟــﺪﻳﺪة . ﺑﺎﻟﻔــﻌﻞ أن
اﻟﺴﻴﺎب ﻻﻣﺲ أﻃﺮاف اﻟﻌﺒﻘﺮﻳﺔ ﺑﺘﻠﻚ اﻟﻘﺼﻴﺪة وان ﻛﺎن ﻳﻌﺘﺮﻳﻬﺎ ﻫﻨﺎت ، وﻳﻈﻬﺮ واﻟﻌﻠﻢ
ﻋﻨﺪ اﷲ أﻧﻬﺎ ﻣﻦ أﺣﺴﻦ ﻣﺎ ﺟﻨﺎه اﻟﻌﺮب ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﺜﻮرات المجنونة..

وﻗﺪ ﻛﺎن ﻋـﺒﺪ اﻟﻨـﺎﺻﺮ ﻳـﺼﺮخ ﻓﻲ ﻣـﻴﺪان اﳌﻨـﺸﻴﺔ ﻓﻲ ذﻛﺮى اﳉﻼء ﻋﺎم 1954م مذكرا
وﳑﺘـﻨﺎً أﻧﻪ ﻓﻲ ﺑﻮاﻛﻴﺮه ﻣﻦ اﻧﺒﺮى ﳑـﺰﻗﺎ ﻏـﺸﺎء اﻟﺬل وﻣﺤﻄـﻤﺎً ﻧـﻴﺮ اﻻﺳﺘﻌﺒﺎد ، وﺑـﻌﺪﻣﺎ
اﺳﺘﺒﺪ ﺑﺎﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ ﻟﻚ أن ﺗﺘﺨـﻴﻞ آﻓﺎق اﳊـﺮﻳﺔ وﻣـﻌﺎﻧﻲ اﻟﻜـﺮاﻣﺔ اﻟـﻠﺘﲔ ﺑـﺸﺮ ﺑﻬـﻤﺎ ﻫﺬا اﻟﺰﻋـﻴﻢ
اﳌﻈـﻔﺮ.. وﻋـﺒﺪ اﻟﻨـﺎﺻﺮ ﻋﺮّاب ﺛﻮرة اﻟـﻀﺒﺎط اﻷﺣﺮار اﻟﺘﻲ أﻃﺎﺣﺖ ﺑﺎﳌﻠﻜـﻴﺔ اﳌـﺼﺮﻳﺔ ﻋﺎم 1952م
وﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﺎم ﺑﺘﻨﺤـﻴﺔ ﺳﻠﻔﻪ وﺻﺪﻳﻖ ﺛﻮرﺗﻪ اﻟـﻠﻮاء ﻣﺤـﻤﺪ ﳒـﻴﺐ. وﻫﻮ ﻃﺎرد
اﻟﻔـﻜﺮ وﺧﺎﻧﻖ اﳊـﺮﻳﺔ وﻫﻮ أﻳـﻀﺎ ﻣﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﻋـﻬﺪه أم اﻟـﺮزاﻳﺎ اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻣﺎ ﺗـﺴﻤﻰ ﺑﻨﻜـﺴﺔ 67
اﻟﺘﻲ اﻟﺘـﻬﻢ اﻟـﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻋـﻠﻰ إﺛـﺮﻫﺎ ﺑﻘـﻴﺔ اﻷرض اﻟﻔﻠـﺴﻄﻴﻨﻴﺔ واﳉﻮﻻن وﺳﻴﻨـﺎء،
ثم أن ﻋـﺒﺪ اﻟﻨـﺎﺻﺮ ﻣﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﺟـﻨﺎزﺗﻪ ﻣﻦ أﻛﺒﺮ اﳉــﻨﺎزات اﻟﺘﻲ ﻋﺮﻓــﻬﺎ اﻟـﻌﺎﻟﻢ ﺣــﺸﻮدا

ﻣﻔﺎرﻗﺎت ﻻ ﺗﻜﺎد ﲡﺪﻫﺎ ﺳﻮى ﻋﻨﺪ اﻟﻌﺮب …!

محمد بن إبراهيم الهدلق
m.hadlaq9@gmail.com

لجينيات 2011/7

و مضات سُنيّة ..بين الموصل و السعودية

قياسي

 

يشهد التاريخ أن الموصل كانت من أوفى المكونات السنية، ليس في إقليم العراق وحسب بل على صعيد الأقطار العربية قاطبة، وذلك حينما كانت خاضعة لسيادة دولة الخلافة العثمانية.

الموصل لم تذعن لغواية المستعمر ولم تنضم لمرصوفة الرصاص العربي الخائن الذي حشاه المستعمر في بندقيته ليطلقها على مقاتل دولة الخلافة العثمانية الإسلامية قبيل سقوطها .

الموصل لم تكن كجارتها البصرة ذات الكثرة الشيعية ..البصرة التي ما إن تراءت وميض حذاء المستعمر الانجليزي حتى ارتمت عليه تلثمه كفراشة عمياء .. ُمحرقة عروبتها و شوائب إسلاميتها ..و آدميتها أيضا.

تأمل معي هذه الشهادة التاريخية حتى إذا سمعت أن هناك حربا على الإسلام و المسلمين فلا تصدق إلا أنها حربا على السنة وأهلها.

يحكي سليمان فيضي المناضل العروبي العراقي في مذكراته عن تلك الفترة و وعن الموصل تحديداً حينماذهب إليها عام١٩١٣ليحرض أهلها ويغريهم بالانشقاق عن دولة الخلافة والانضمام إلى ركب المطالبين بالوطن القومي العربي ونبذ دولة الخلافة العثمانية بغاوية من الإنجليز وحبائل جواسيسهم ..فتأمل ما يقول:

يقول فيضي: ( إن النزعة الدينية التي يتميز بها أهل الموصل تقف حائلا بينهم و بين التمرد على الدولة العثمانية ذات الصبغة الإسلامية والخلافة المقدسة) ويقول في موضع آخر: (إنني حين وصلت الموصل وجدت أن عدد المؤمنين بالفكرة العربية لا يتجاوز عددهم أصابع اليد )انتهى حديثه.

لهذا أعرضت الموصل ونبذت هذا المطلب الماكر و لم تبتلع ُطعم المستعمر الذي جاء بمسوغ عربي، ليس لحذق وحصافة سياسية تملكتها حينذاك ولكن من مبدأ ثوابتها وقيمها الدينية، فآثرت الطاعة وجانبت الشقاق والخروج على السلطان، مع أن الدولة في ذلك الوقت كان بنيانها يتصدع وكانت في أحط أيامها و أبأس أحوالها وكان بقاء كيانها مرهون بعامل الوقت لا غير، إلا أن هذا لم يسول لها أن تركب مراكب جيرانها أو جيران جيرانها و تلتمس لنفسها الاسباب و تركب مطية المعاذير، بل إنها لازمت مصير وطنها بغض النظر عن أي تبعات غير محمودة العقبى سوف تطالها إن هي لبثت على ذلك الموقف.

 

و المظنون بهذا الموقف العقدي أنه عزز رغبة الإنلجليز وزاد من عزيمتهم و دفع بإصرارهم في الدأب على بتر هذا العضو ال ّسني المكين من جسد الخلافة، فهم خير مجرب و أعلم خبير أن بقاء إقليم سنّي بهذا الحجم وبهذه العقيدة يعني أن الخطر لا يزال يواقع ساحتهم والساحة الأوربية قاطبة، كذلك لم يغفل الإنجليز أن أرض الموصل من أغنى الأقاليم التي تذخر كنوزا نفطية فهذا سبب يبارك إصرارهم ويمضي به إلى أقصى بعد تطاله شهوة أطماعهم، أقول :لم يكن من المستنكر في ذلك الوقت لو أمكن الإنجليز على تجزيئ ليس المدن السنّية و حسب بل وحتى الهجر المهجورة وتكوينها بعد ذلك إلى دويلات مجهرية و إعطائها حق الاستقلال والسيادة.

بعد تقويض الهيكل العثماني َحفي الإنجليز على قطع أواصر الموصل من الدولة التركية وضمها للإقليم العراقي الخاضع تحت سيادتهم، فقد دارت مداولات ( دبلوماسية )تعصى الوفاق على إثرها بين الطرفين فارتفع الخلاف إلى عصبة الأمم آنذاك، فالأتراك يصرون على تبعية الموصل وعائديتها لهم بحكم أن جيوش التحالف لم تكن تحتل الموصل ساعة انطلاق الهدنة بل إنهم قاموا باحتلالها بعد انعقاد الهدنة وهذا ما يؤكد نواياهم المبيتة من اجتزاء هذ الجزء ال ُسنّي والحاقة بإقليم العراق، فكان الانجليز يتذرعون أن الموصل جزء من إقليم العراق الذي

رسموا أطرافه بأقلامهم.

ُحسم الأمر في مؤتمر لوزان عام ١٩٢٣ وكانت صفقة سياسية خبيثة مشروطة بالتنازل عن إقليم الموصل نظير الاعتراف بدولة تركيا، وعلى كل الأحوال قضية الموصل متشعثة فلا تستطيع الحديث عنها بعيداً عن قضية الأكراد الذين تم تشطير قوميتهم بين دول أربع :عراقية و إيرانية و تركية و سورية، وكانت الموصل تقع ضمن إقليمهم العراقي .

 

لا جرم أن الدولة العثمانية كانت كابوسا مفزعا مزمنا وتجربة مريرة ما فتئت تُفزع مهاجع أوروبا وتبعث الهلع في أرجائها، لم يغالي (جون اسبوزيتو )حينما وصفها أنها (جلاد أوروبا ) وكذا لم يزغ المؤرخ (ريتشارد كنوليز )حينما قال أنها (الرعب الحالي للبشرية )بالطبع يقصد شعوب أوروبا لأنهم لا يرون سواهم من الشعوب يصدق عليه وصف البشرية، و أبعد من كل هذا أن كان في ذلك الوقت هتافات َكنَسية حاشدة تناشد أمم أوروبا بشن حملة صليية ضد الأتراك.

انهارت دولة الخلافة وظن الغرب المسيحي أنه أطفأ نائرة الإسلام وأطفأ ثائرة السنة بإسقاطها و سرقته الأخاديع التي ما انفك يحيكها و الشغل الدؤوب الذي سلطه في تفتيت أجزائها من أن هناك في جزيرة العرب مكون سنّي يستعيد حلته.. الدولة السعودية الثالثة، والثالثة ثابتة، ولم يستوحش المستعمر من الاكتساح المتسارع الذي حققته هذه الدوله على يد الإمام عبدالعزيز بل كانت قصارى حساباته السياسية تذهب أن ما يعتمل في مناحي صحراء الجزيرة محصلها أن رجل واحد منتصر سيكون بمثابة العسكري الذي يبسط هيمنته على قبائل الجزيرة المتناثرة، يدرأ شرهم و يكف شغبهم، أي أنه سيكون ُجنة قويمة  بينهم و بين صحراء الجزيرة (الفقيرة) يأتمر بأمرهم و يصدر عن رأيهم، إلا أن هذه الحِسبة الإنجليزية لم تنضبط كما ينبغي، فالرجل ينطلق من بعد تاريخي عميق و خاض معارك دامية وتقحم مهالك جسيمة لاستعادة مجد تليد، لهذا كانت الحالة السعودية مختلفة عن بقية المكونات الخليجية القابعة على ضفاف الخليج قبل استقلالها، فبجانب هذه الشرعية التاريخية التي يحوزها الإمام / عبدالعزيز كانت في قبضته قوة عسكرية قبلية باطشة تعرف باسم الإخوان، استطاع أن يصهر طاعتها تحت لواء ّ عقدي واحد، و كذا لا ننسَ العامل ( الجيوسياسي ) الذي دفع بهذا الكيان السُنّي الضخم من النهوض بشكل فتي، فهذا الإقليم الأوسط كان مهجور مزهود فيه عن كل الأطماع و التجاذبات السياسية لقوى

الاستعمار الضالعة في ذلك الوقت، فلهذا السبب كان للإنلجيز حينئذ وكلاء وطنيون في كل إقليم خليجي من شأنهم التنسيق بينهم وبين قياداتهم البريطانية لغرض توفير الدعم والحماية مقابل ضمان استقرار الأوضاع في المحيط الواقع تحت حاكمية تلك الأسر، لكن في واقع الأمر لم يكن في أي إقليم خاضع لسيادة الإمام عبدالعزيز وكيل واحد من أولئك الإنجليز.

بعد ذلك سرعان ما دخلت الأراضِ  المقدسة في طوع الإمام وتدفقت أنهار البترول ِجزالا تجري من تحت قدمية ولا أخال هذه الأعطية سوى مكرمة رحمانية لما بعد ذلك.. فقد برزت النسخة الإسلامية ذات القوام الدولي السُنّي الضارب في الرسوخ، تعلن عن بعث العقيدة السنية السلفية الناهضة من ذات الجغرافيا و بين بُرديها ذات العرق ..العقيدة السنية التي تعرفها كل الأمم و بالأخص الأوروبية.. أليس في خزائنها جل مدوناتنا الإنسانية..! وهي تعلم أكثر من سواها عن عامل العقيدة و ما ذا يصنع إذا انعقد على أفئدة الشعوب أن له أثر أشد من أثر السحر.. يقول: جوستاف لوبون عن العقيدة وأثرها في حياة الشعوب (أن العبادة المتعصبة لروما كانت هي العقيدة الإيمانية التي جعلت من الرومان أسياد العالم .لكن ما إن ماتت هذه العقيدة حتى انهارت روما ولم يستطع البرابرة الذين دمروا الحضارة الرومانية أن يتوصلوا إلى بعض التماسك والخروج من حالة الفوضى إلا بعض العقائد المشتركة (وفي سياق آخر يقول:( و إذ ما تشكلت العقيدة و رسخت نهائياً فإنه يصبح من المستحيل الإطاحة بها لمدة طويلة)

 

فهل علمت إذاً على من تُدار الدوائر هذا اليوم..؟ إنها الحرب على السنة و حسب، وتداعِ الأمم الذي أخبر عنه الصادق المصدوق عليه الصلاة و السلام تجده شاخص  أمامك، الولايات المتحدة و الروس و الفرس والعرب و من  ورائهم اليهود.. نعم فهذا مفهوم الأمم، ليس مفهومها الدول أو الشعوب، و إنما مقصودها النحل و الأعراق و المشارب وكل من يناهض هذه الملة الصحيحة.. و إلا على من يجتمع الأن في زمن واحد، المسيحي و المجوسي و الرافضي و النصيري و الإثني عشري و الزيدي..

المشهد يجيبك..

.

 

 

 

إيران.. تاريخ التدعيش و فقه الحشيش ٢/٢

قياسي

ذكرت أن ابن الصباح قد فاق في حقن أولئك الصبية بالغلو و الحماسة من حيث النحلة الإسماعيلية التي اتخذها زلفى لمآربه الباغية، و أشرت إلى أن بغيته من كل يافع أن يكون وسيلة قاتلة أو أداة فاتكة مشلولة الحس مفرغة المشاعر، لكن كما قلنا أن تلك الأطوار من التجهيز و التدجين لا ترقَ إلى نظر ابن الصباح و لا تستوعب معاييره الإجرامية من أن يكون هذا الغلام ممسوخ المشاعر مسلوب الإرادة، إنه يريده كالبهيمة المستأنسة، من الممكن سوقها بغرائزها، أو كمثل كلب الصيد الذي يحرشه مؤدبه فيعدو بحماسة الوفاء صوب هدفه لا يحفل بشيء سوى تلك الطعمة في نهاية المهمة تعقبها مسحة الرضا على ناصيته من يد سيده.
غير أن ابن الصباح وهو العارف الفطن لا يأمن تلك الخطرات التي عادة ما تخاتل العقل أو نفح الصحوات التي قد تدهم النفس، والتي من أحوالها التسلل عبر مسامات الفكر ومضائق المسلمات وقد تجرؤ إلى قرارات المعتقد فتشكل خطراً محدقاً على جوهر المفاهيم و الثوابت و القيم  الذي حَفي ابن الصباح في ازدراعها على مر السنين وعقدها على افئدتهم، وهذا من فرط خبثه و سفالته أنه يريد طمس كل منفذ محتمل من شأنه أن يهدد بهيمية هذا الفتى قاصداً قطع كل أواصر انجذابه نحو آدميته و فطرته القويمة، فطفق هذا الوغد إلى نبتة القنب التي تعرف { بالحشيشة } القوة المادية التي يصهر بها كل نابتة حسية واعية في نفس و ذهن هذا الغلام توشك الشرود والخلاص من هذا الحضيض الحيواني الذي ضربه على واقعه هذا الوغد الخبيث.

فحين يكون الفتى مؤهلاً للقيام بأي مهمة دامية إجرامية يقوم ابن الصباح بإفاده إليه مبرزاً له من رفيع الضيافة و كريم الحفاوة ثم يزجي له في مطعمه أو مشربه من هذه النبتة التي أعدها بحذق متناهٍ، وما إن تخالط مادتها عقله تنزو بمجامع حسه إلى عالمها الحالم، يساق هذا الغرير المسطول بعدها فيُسرى به من حيث سرداب خفي، ينساب به نحو تلك الحدائق الغنّاء التي زينها و اتم بهرجها، حتى إذا استقر على أرضها وكأنه في معراج هابط و لا يزال نزراً يسيراً من بواقي وعيه يوسوس له من أثر تلك النبتة: هل هو في حلم واقع.. أم هو في واقع حالم..؟ قصارى فكره أن قانواً غير قانون حياته الأرضية تحول إليه وبات يحكم وجوده ويهيمن على شعوره و إرادته، ،كل ذلك قبل أن يرفع جسده الخائر الذائب ويسجّى على ذلك السرير الغض الفائق الفراهة، وما إن تستوي أعضاؤه  وتتساكن أنفاسه تراه يرمق بعُشر طرفه الواعي المثّاقل حيث أولئك الحسان من ثيبات و أبكار حافين بمضجعه في غاية الخضوع و التودد و التذلل و كل شهي للنفس أو أنيس للحس في حضرته لا يباعد شيء مما يشتهي مُسكة يده. حينها لا يساوره أدنى ريب أنه أضحى من سكان جنة عدن، تحديداً إذا أُقف على ضفاف ذينك النهرين الناضحين بالعسل المصفّى و اللبن السائغ اللذان أجراهما ابن الصباح بأخدوعته العفريتية.

هنا يتيقن الفتى أن هذا المنقلب الكريم جزاء تسليمة و مثوبة طاعته لأوامر سيده، حتى إذا قضى وطره من كل لذة و أجهدته متعتها وارتحلت مدبرة بأشلاء وعيه، سيق نحو مستقره في القلعة حيث سوء المنقلب و نكد المقام فإذا تصرم أثر هذه الحشيشة و ما عاقره من كؤوس الدهاق التي عبّها في جنة عدن المزعومة و وثب إليه رشده، أنكر حاله و بؤس مُقامه:.. كيف كان سلطانه و نعيمه في السماء دار المثوبة و الجزاء ثم أي لعنة حاقت به فنكّسته إلى دار الشقوة و البلاء..! حينها لا يبقى هم و لا غم إلا نزل بساحته، ولا حزن في أقطار السماء و الأرض إلا تداعى إلى قلبه، ثم لا ينفك منه هذا الوجد الحارق يؤجج إحساسه و يضرم أشواقه، حتى إذا همت جُند القنوط تحاصر شعوره و ظن أن الهلاك لا محالة مواقعه وانقطع رجاؤه من كل سبب ودانت لحظة الهلاك أن تبطش بحياته.. نادى منادٍ بسمه في القلعة أن سيدها ابن الصباح يطلب حضوره      و امتثاله في التو واللحظة، فيظن هذا المستلب العديم ساعتها أن فرجة من جنة الفردوس قد كُشفت له، و أن روحه من جديد قد ثابت وبثت في جوف جسده، فيمثل الغلام صاغراً مضطرباً في سلطان سيده الذي ما إن يراه حتى يدثر فزعه و يسكّن روعه بنظرة راضية شفيقة تضمر كل المكر والخبث والفجور، فيسائله عن حاله و إلى ما صار إليه مآله..فيشرع هذا المسكين يبث شكايته و ينثر شجنه وهو بالكاد يصلب قوامه، فجسده متهافت رازح تحت صراع غاشم أليم سعّرته هذه المادة الأثيمة (الحشيشة) و كل حسه وشعوره مأخوذ بصور النعيم وحور العين التي أُقصي منها، فهي لا تنفك تتغشى ذهنه و تمور بفكره، ومع ضراوة عنفوان غريزي فتي لاهب.. أنّى ليافع مثله أسباب الخشوع و السكون و الهدأة.

في هذه اللحظة المنتظرة تتهلل أسارير هذا الطاغوت و يسرّى عنه غبطتهً و سروراً أن خطته الإبليسية مَثُلت إلى نجاحها المنشود و أن هذا العنصر سوف يكون إضافة نوعية متفوقة في مستودع ذخائره البشرية، فإذا أزفت لحظة الشروع بتصويبه على أي هدف مبتغى فإن هذا الخبيث يأتيه بأقدر من غوايات ابليس الذي تعاطاها في مكره على بني أدم، حيث المرأة التي لبّس عليه أنها من حور الجنة و أنها في شوق فاطر ترقب عودته وقد هيأت له المتكئ الكريم الذي يليق بمقام شهيدٍ نذر روحه وشبابه في سبيل المعتقد و النحلة و الطاعة المطلقة لسيده، فيوشك عقل هذا الغلام أن يطير من محجره من هول الخطب، فقد كان منذ برهة و هو في أحط دركات البؤس والضيق، فما هذا الملكوت السماوي الذي يضمره هذا السيد الأرضي..! كيف له أن يعرج به إلى بروج السماء حيث لا ثمة فرجة ينفذ من أقطارها ولا ثمة برهان؟ ثم كيف يولجه إلى قرارات الجنان، يتقلب في أحضان حورها، يعُب من كؤوسها و يتنعم بمشاهد أنهارها و عروشها؟.. لكن الحق أن الفرجة السماوية المزعومة لا تبدو في أي سماء من سماوات الله سبحانه     و تعالى، بل إن حقيقتها تقبع في ذهن هذا الغِر المسكين الذي تراه حينما تخالط نشوتها عقله ثم تنساب بسحرها في أعضائه و مفاصله و يدب رحيق العافية إلى أوزاع بدنه و يرتد ما شرد من وعيه فحينئذ لا تجده في هذا المنشط المؤقت إلا ذلك الشخص المغلول بقيد الغلو اللاهب الذي ضُرب على عقله مذ كان صبي يسعى، لقد باتت كل حادثة تصادم فكره لا تنفذ إلى تخوم فهمه إلا من خلال هذا السبيل الغلوائي الذي تجرعه في بواكيره، وكل صعيد عدى ذلك موصد بمغاليق و أقفال ابتلع مفاتحها ذلك المجرم ابن الصباح، الذي يدرك بخبث لعين أن ثمة محرض غريزي جامح في طريقه إلى هذا الفتى المدجّن سوف لا ينفك إلى تشويش فكره وتشغيب سكينته، حيث رحلة البلوغ  وطور الفتوة سوف تُلهب شهوة الصبي المسكين ويفور به شبق الوجد إلى الأنثى و يغدو حبيس هذه الحالة الأليمة و تأثيرها المزمن على فكره، فسارع إلى أنجع فكرة طاغوتية لم يجتهد كثيراً في تطبيقها، فهي مرصوفة و مرصودة في أذهانهم منذ بكور التلقي في مرحلة التلقين، ثمرة عزيزة من ثمار التعاليم الممسوخة، حيث استدعى لهم في هذا الظرف العمري الفائر صورة حور العين كمصرف شرعي حميم لشهوتهم الفتية المتقدة، ليس ذلك و حسب بل كلما خبت جذوة حماستهم و تثاءب باعث همتهم تكون خير شاحذ لطاقتهم و إخلاصهم أيضاً.. مَعين غريزي و ودود يروي الهامهم في حركاتهم و سكناتهم،

هكذا يستبد ابن الصباح بمجامع التأثير عند اتباعه من الفتيان و كل ساذج متعاطف مع  فكرته الإبليسية التي سربلها بالإفك والتزوير، ثالوث محكم الإطباق يَمثُل في محرضات ثلاث.. العقيدة و الغريزة و الفكر، وهي أيضا مكونات ثلاث لأي قنبلة بشرية صماء عنيفة الفتك ضارية التدمير،  و إذ ما غاليت في إلهابها و تثوير مستفزاتها فارتقب ما لا تحتسب من أضرار تشظيها.

أما المصادقة الشهيدة أسوقها في حادثة ارتسمت تفاصيلها في القرن الخامس الهجري حيث قصة اغتيال وزير الدولة السلجوقي الصالح نظام المك، السد السنّي الكاسح إزاء محاولات التمدد الشيعي في تلك الحقبة، ندب إليه ابن الصباح غلام حشاش من القلعة فقطع المفاوز حتى تسلل إلى مجلسه بهيئة الهارب المستغيث، وما إن أُذن له و فسح له السبيل أنشأ الوزير يصافحه فسدد هذ الحشاش طعنة مكينة في جوفه بخنجره المسموم لم يلبث بعدها سويعات حتى فاضت روحه وفارق الحياة رحمه الله.
هذه القصة شهد وقائعها القرن الخامس الهجري، ولو تأملت طرازها و تحسست خامتها سوف تقفز بذهنك جبراً حيث اعتاب عام ٢٠٠٩م حينما قطع صبي غرير  القفار و المهامه قاصداً مساعد وزير الداخلية حينذاك الأمير محمد بن نايف زاعماً التوبة راغباً الإنابة مزمعاً الإقلاع عن درب الضلال ولكن شريطة أن يسلم نفسه لشخص الأمير بعدما فخخ أحشاءه بمادة شديدة الفتك والتدمير غير أن لطف الله سبحانه حال وتعالى أبطل سوء الكيد و أفشل خبث التدبير.

هكذا تطور وتفشى هذا الفكر ( الحشاشي)عبر الامتداد التاريخي للأمة الإيرانية وهكذا تَعولم فيما بعد و أضحى مبعث إلهام سخي للممارسات الإجرامية الدامية السياسية، فمهما تمظهرت هذه الجمهورية الإسلامية الدعية بعمامة المتدين أو تأنّقت بثوب المتمدن تظل هي أيقونة الإرهاب و جرثومة الفوضى و الخراب، حرباً على الإسلام و المسلمين سِلم على البغاة و الكافرين، وتاريخها مفعم بالإجرام الدامي اللامحدود.

فمن عرقهم انبرى أبو لؤلؤة المجوسي الذي تبوأ اغتيال أعصم نفس في ذلك الوقت، خليفة المؤمنين الفاروق رضي الله عنه بخنجره المسموم وهو قائم يصلي بالمسلمين، فالمجوس هم  من استورد التطاول و الجرأة على دماء الحكام في الإسلام و هم أيضا من أهدر قدسية المساجد وحرمة دور العبادة، وما نعاينه في الوقت الراهن من استهداف المساجد و دور العبادة واستخدامها لأبعاد سياسة ما هو إلا استلهام لسنن القوم المنكرة في الإسلام.

ومن نحلتهم المذهبية  أول عُصبة اعتدت على مشاعر الله المقدسة، القرامطة البغاة قاموا بغزو الحجيج في القرن الثالث ووضعوا السيف فيهم وارتكبوا في ضيوف الرحمن اشنع المجازر و ابشع التنكيل فسَبَوا النساء و الذراري و اقتلعوا الحجر الأسود وسلبوا الكعبة حلتها، وانظر أحفادهم اليوم ثوار ما يعرف بولاية الفقيه و التي تحولت بأطماعهم و سلوكاتهم إلى ( ولاية سفيه ) انظرهم كيف يقتفون هدي أسلافهم القرامطة حذو القذة بالقذة، الم ترَ كيف  بات من شعائر حجهم و مناسك موسمهم إشاعة الفوضى و بث الشغب و تعكير سكينة الحجاج و ترويع طمأنينتهم.

ومن تاريخ دولتهم، أجدادهم الصفويون أبشع دولة عرفها التاريخ تعاطت التطهير المذهبي بامتياز  لم يسبق له نظير وارتكبت ابشع الجرائم و أوحش المسالك في ملاحقة أهل السنة واصطلامهم، و هاهم أحفادهم دولة إيران المعاصرة، كيف بوأت العراق؟ حيث صيرته كتلة من العواطف المذهبية المتنمّرة، فاستحال إلى جنون من الهرج المقيم، إن كل شيء في أرض الرافدين عرضة للبوار والكساد  إلا أسباب الفتن والفوضى، لا يعوزها ناصر و لا يفشل لها مسعى، وفي سوريا كذلك لم تفتأ تراودها حتى استدرجتها فوقعت حبيسة شراكها  فتعجب كيف جلعتها موئل الخوف و الشقاء و مرتع الأحزان و البأساء،

هذه إذاً أخلاق الأمة الإيرانية: فإن كان ابن الصباح يستقطب اتباعه ثم يجندهم  و يستخدمهم وسائل رخيصة لتحقيق مكاسب سياسية، فإني أذكرك أن تعاويذ التاريخ لا تلبث على حالها بل إنها عرضة مستعدة لطفرة جينية تصيبها  في أي حين ينزو عليها ملاقِحُها، فيبث في روعها ويستنفر مكنوز مكنونها كما تفعل هذه الأمة الشيطانية اليوم في أقطار العرب باسم الدين و نصرة اتباع المذهب.

فإن أردت عرقها فأبي لؤلؤة المجوسي الفارسي ملهم حقدها و مذكي عدوانها. وإن أردتها ثورتها فالقرامطة الهمج أئمتهم و قدوتهم. و إن أردت دولتها فالصفويين الغلاة بُعدها و امتدادها.ا

فأمة استودع الشيطان في تكوينها تلكم الخصال، أي جهاد في سبيل الله لا يرى أولوية مدافعتها وكف عدوانها لا جرم أنه جهاد مظنون القصد مدخول النية  منحرف الجادة.

hadlaq9.comhadlaq9@

إيران.. تاريخ التدعيش وفقه الحشيش ١\٢

قياسي

تحكي وقائع الأيام حينما تتغالب الأمم وتتنافس الشعوب أنه يتخلق في رحم دوراتها حدث أو جملة أحداث تراها مع تعاقب الأزمان تأخذ طابعاً أشبه ما يكون بتعويذة تاريخية، هذه التعويذة عادة ما يضمرها التاريخ، ويخفي ملامحها وأحياناً يُظَن أن النسيان أحبط صمودها وتماسُك قواها وهي عالقة على جُدُر الذاكرة. بعض الأمم تجتهد أن تتمظهر بواقع يغاير صبغة تاريخها المحفوظ في أول صفحاته، زاعمة أن الظرف الإنساني ما عاد يستوعب تلكم الأفكار والممارسات البائدة، لكن الحقيقة تشف للباصر غير ذلك، فالأمم التي افتضت مجد دولتها بانتحال السفك والتقتيل وفرضت سيادتها بسيف الإرهاب والترويع ولا تستمد سكينتها ورفاهية شعوبها إلا من موائد الدسائس والفتن، هي في حقيقتها لا تزال كذلك تمارس نفس السلوك وتتعاطى ذات الأخلاق ربما بوجه سياسي آخر وبأنساق سلوكية مختلفة، وتراها إذا ما ألجأها الظرف واضطرتها الحاجة تميط اللثام عن هذا الوجه المريع ثم تفزع مسرعة إلى هذه التعويذة تبعثها من رميم التاريخ ولا تتمعر من إشهارها والمجاهرة بها بل أحياناً تُفاخر وتباهي بها، مثلاً.. كما صنع بوش الابن حين حار ذهنه وعزت عليه الحيلة.. كيف السبيل لتبرير حربه على ما يسمى بالإرهاب.. ؟ هل تتذكر كيف ارتكس إلى صفحات التاريخ القديمة؟ سابحاً في غبارها حتى خَلُص إلى عصور الظلام باعثاً من فصولها تجدد الحرب الصليبية كمسوغ عاطفي مقدس سيسهم في إضفاء تأييد شرعي جدير على فكرته الحربية.. وما كان هذا الشقي ليعمد إلى ذلك لولا علمه أن مثل هذه الاستعارة التاريخية الفاتنة سوف تصافح شعوراً شعبياً كامناً في وعي الجماهير، إذن.. بمثل هذا تُحرض العواطف وكذلك يُكتسح الوعي.

لكن مع كل هذا أقول: إن قدرات الأمم وتجربتها الحضارية تتفاوت حيث نبوغ ملكاتها وجودة أدواتها ثم إتقان توظيفها بعد ذلك لهذا التاريخ. فإذا كانت الولايات المتحدة ممثلة في بوش الابن استعارت معنى الحروب الصليبية كإشارة تاريخية فاعلة لتغرير وعي الشعوب وتبرير عدوانها على المنطقة ومن ثم تنفيذ (خارطتها) الجديدة، إلا أن ثمة أمة لم تنفك عن ضلالها القديم وما زالت تتعاطى تعويذاتها التاريخية وفق تطبيق فكري وحركي عتيق، ليس بموسوع الظرف ولا بمقدور الفكر أن يستوعبان سخفها وسذاجتها فضلاً عن شذوذ القيم وهبوط المبادئ التي تكتنفها.

هنا دعونا نبرز صنفاً من ملامح هذه التعويذات التاريخية التي فاقت في تعاطيها واستخدامها الأمة الإيرانية، وهي تعويذة لا تعد سوى أمثولة واحدة لتاريخ صارخ بالدماء حافل بالشيطنة والشرور.

مع أقصوصة وقعت أحداثها في أعطاف القرن الخامس الهجري، ستحكي لك.. عن أول أمة تعاطت تشريك العقول وفاقت في تفخيخ الأجساد واحترفت تدويل سلوك الاغتيال ومنهجة البغي والعدوان، فضلاً عن الاقتدار المطلق في استلاب مشاعر الجماهير، وتوحيش عاطفتها الدينية من حيث حقنها بالغلواء والتطرف.

لقد عمدت في سرد هذه القصة ولوج بعض التفاصيل؛ لكي نخلص إلى تصور عادل عن أخلاق العدو المتربص وأدواته التي يتعاطاها في عدوانه وبغيه على أهل الدين باسم الدين.

مع أحدث القصة..

في إيران وتحديداً على تخوم طهران اتخذ الحسن بن الصباح قلعة (آلموت) الحصينة وكراً لنشر حركته الدامية التي انتحلت من الدعوة الإسماعيلية الباطنية دثاراً لها لتحقيق أطماع سياسية بحتة لا تمت للمذهب أو المعتقد بأي صلة، وهذا دأب مألوف مخمور في الحراك الإسلامي السياسي أنه من العسير أن تصبو إلى أي مطمع سياسي أو تروم مقصد سلطوياً من غير أن تمتطي صهوة الدين بحذق ومهارة.

وكان ابن الصباح رجلاً استثنائياً ينطوي على ملكات وقدرات فائقة، كان حاد الذكاء لامع الذهن بارع الفهم تسلل برشاقة إلى مشاعر البسطاء، واستطاع غواية العوام بثوب الناسك المتبتل.

وكانت قلعة (آلموت) تقبع في أعالي شواهق جبال الديلم، وهي تشاطره بعضاً من هذه الاستثناءات والملكات، فهي قلعة عصية المسالك عسيرة التضاريس، يذكر أن ارتفاعها يربو على سطح البحر بـ6000 قدم، ومن مكانتها الشاهقة وتموضعها الحصين أخذت اسمها، فآلموت مفردة فارسية تعني بيت النسر أو وكر النسر، ولم تقتصر هذه القلعة المكينة على تلك الامتيازات وحسب بل إنها تزخر بطبيعة فاتنة خلابة وعلى سفحها يستقل وادٍ ضخم يعزز حصانتها ويضفي روعة إلى بهائها وزخرفها.

ما فتئ ابن الصباح ينثر أضاليله وينشر أكاذيبه في أرجاء القلعة حتى شاع خبره وفشا ذكره، وفي فترة وجيزة أمسى مهوى لأفئدة سكانها، فقد استحوذ فكره على أفهامهم واستبد اسمه بمشاعرهم فانتظمت له قلعة (آلموت) وظفر بتأييدها المطلق لم يلبث ملياً حتى وثب على صاحب القلعة وأبعده منها ليكون بعد ذلك الحاكم باسمها المتفرد بأمرها.

حينئذ أخذ بالنهوض بفكرته العدوانية ودفع بسلوكها الإرهابي وأهدافها الدامية حتى بات اسمها أمثولة الرعب والوحشية ومبعث الخوف والفزع في شتى الأصقاع، إنها فرقة (الحشاشين) وهي في مصطلحنا المعاصر أشبه ما تكون (بميليشيا) مسلحة أو (مافيا) سرية، تلبست بهذا الاسم المنكر من حيث الجزء الفاعل والمتفوق في (استراتيجيتها) يرتكز على نبتة القنب المعروفة بالحشيشة.

ارتزقت هذه الفرقة على امتهان القتل، واحترفت السفك والترويع وفاقت في تقصد الشخصيات السياسية الضالعة في المكانة والنافذة في القرار ليس على صعيد إسلامي سني وحسب، بل وصل خنجرها إلى البلاط المسيحي حتى استكثف أمرها وطال شرها كل من حاول أن يقف حائلاً أو معادياً دون (أجندتها) الباطنية، ولك أن تتصور الطور الدامي التي بلغت آفاقه هذه الفرقة حيث تقحم سلوكها معجم الإنجليزية واجترحت بين مفرداته معنى جديداً، (Assassination الساسيشن، الحشاشين) تشير هذه المفردة إلى كل قتيل قضى نحبه غيلة، أو أزهقت حياته خلسة، أو جبراً لأي غرض سياسي. وذلك بعدما احترفت هذه الفرقة فناً جديداً في سلوك القتل والترهيب وشاع بين الأقاليم والأمم تفردها بهذا المنهج الدموي.

أعود إلى قلعة (آلموت) التي لم يدخر ابن الصباح مفاتن طبيعتها حيث قام بتجهيز جنان غناء على أبدع طراز، ثم بأخدوعة فائقة أجرى في وسطها نهرين، نهراً من عسل مصفى، وآخر من لبن سائغ، ثم انتخب لها أجمل الكواعب وأخلص الفواتن من النساء مستنسخاً حقيقة تلك الصورة من جنات عدن والحور العين التي وعد الله بها في كتابه الكريم.

إذن ما من جالب ينشر الإنس ولا باعث ينثر السرور مما تشتهيه الأنفس أو تعشقه الأعين إلا وهيأه هذا الماكر وجاء بكل أسبابه ومسبباته.

لكنّ شيئاً من كل هذا البذل والجهد سوف يذهب سدى من غير توافر الأغرار الفرائس الذي سوف يجتهد في استلاب إرادتهم، وتطويع مداركهم حسب أغراضه وغاياته الإجرامية.

يعمد ابن الصباح إلى أطفال القلعة وكل غر أو حدث متعاطف مع الفكر الإسماعيلي ثم يدفع بهم إلى محاضن تدجين تضخ في أذهانهم مبادئ الفكر وتعاليمه، والأمكر من ذلك تعظيم مبدأ الولاء والانقياد العبودي، وغرسه في شعورهم والسمو به كأرفع قيمة تعكس صدق إيمانهم ومحض إخلاصهم، حيث يرتبط هذا الولاء بعد ذلك بسلم قيادي غاية في الغموض والتعقيد تتنزل منه الأوامر وترتفع إليه الأخبار ولا يكاد يرى أو يشافه إلا من أخلص المقربين، إنك تراه ماثلاً في كل بقعة من بقاع القلعة، عليم بكل ما يدور في أرجائها، كالشبح حاضراً من غير أثر لا يصيخه سمع ولا يدركه بصر، لقد فاق ابن الصباح أن أضفى على شخصه وذكره في القلعة مسحة ألوهية أوغلت في تقديس مكانته عند أهالي القلعة وكل من سمع بذكره وخبره.

لكن ابن الصباح أكثر مستيقن أن قوى العقل مهما خنقتها، أو حبست منافذ إدراكها فإنها في أي لحظة واعية قد ترتد إلى فطرتها وتثوب إلى رشدها، فجهد هذا الخبيث الماكر إلى استئصال هذا الاحتمال من جذوره، وإخماد كل نابتة قد تفضي إلى إيقاظ سكرة بصيرته، أو تهدي ضلال رشده لضمان مضي مشروعه الإجرامي إلى غايته الوحشية، وقطع دابر أي منغص من شأنه حرفه عن وجهته، فشرع إلى استخلاص كل نابغ مما تفرزه تلك المحاضن التعليمة، ثم يبادر بالزج بهم إلى حيث المعسكرات القتالية لتدريبهم فنون القتال وتعليمهم أصول الحرب، وما إن يستوي هذا اليافع منهم على سوقه يعمد به بعدئذ إلى آخر مراحل التدجين وهي ابتلاء حيز الامتثال والانقياد عند هؤلاء الأغرار، والكشف عن ضوامر سرائرهم تجاه زعيمهم ابن الصباح والقضية الإسماعيلية، وذلك بإخضاعهم تحت أعنف الظروف النفسية ليتمحص بعد ذلك الحكم على هذا الغلام من صلاحيته إلى الانضمام حيث الكتيبة المسماة بالفدائية، لكن ليس قبل أن يأخذ منه الميثاق الغليظ على وهب حياته وما ملكت يمينه فداء لزعيم القلعة ابن الصباح تحت غطاء القضية الإسماعيلية، ونصرة أشياعها المستضعفة لينتظر كل عنصر منهم مهمته الدامية بفارغ الكرامة والحب والشغف.

ملحمة الفساد العربي

قياسي

قبل البدء، إغماضة .. 

على ذلك  المشهد البئيس ، تلفظ الشمس نورها الشاحب البارد العقيم ،كأن أرتالا من  أسراب الجراد السادرة رانت على أديم العنت والوصب ، تقضم غلال الكدح والتعب ، ومع كل قضمة عمياء.. جذوة من نهار تخبو… وقبسة من ظلمة تضيء….تضيء سبيل الظلام وتزف خطى الجهالة لكل مريد لغير الخير ،حتى إذا استتم الظلام  واستحكمت حلكته على كل قلب مثخن مجهود ، تنادت جرذان الخراب الفاسقة من تحت ركام الشرف  وأنقاض الفضيلة ،تقرض بواقي أسمال العفاف وشيئا من أطراف نفسٍ خلقة مستسلمة، استأسرت أوصالها لأغلال القنوط البالية،وعلى نعيب غربان الشؤم  الهرمة تنام على مرقد البؤس المنكود، حتى إذا أُترع الليل من خمرة العبث والفوضى  ، يتجشأ السحرَ المحموم صبحاً   غضوبا مكفهر  الملامح ، يصرخ بملء نوره الواهن الموتور ، يستحث خازن الإثم والفجور ليرفع أذان الويل و الثبور : ( إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ) فيفزع الحيارى من لحود الفقر والجهل والجور، فتراهم سكارى … وما هم بسكارى .!مثقلي الخطى مهطعي الأحداق ، في مشهد مفزع متكامل الرهبة تخالهم يتراءون.. ( مالك ) ..! ولكن …! ليت شعري.. فلا ثمة مالك..!

ثم على ذلك المشهد البئيس.. تلفظ الشمس نورها الشاحب البارد العقيم..  كأن أرتالا من ……..

إستفاقة ..

الفساد ظل الموت الذي يجثم على الأمم .

الفساد صوت إبليس وصورته  بحناجر وسواعد بشرية ..

وفي الملكوت الأعلى وقبل خلق العنصر البشري  كان الفساد القلق الملائكي والتوجس المبكر ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ..الآية ) …الآية .البقرة 30

لذا فإن الحالة الحياتية الصحية هي تلك المراغمة الحتمية الماثلة في الصراع السرمدي بين الخير والشر،كي تتخلق حالة التمايز التي ينشدها الله سبحانه وتعالى والتي على إثرها  يتعين الثواب والعقاب ،يقول سبحانه في سورة الانفال: ( لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ … الآية ) وفي سورة  ال عمران.يقول: ( مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب )

والنفس نزاعة للشر ، لتربص إبليس لها وديمومته في الأرض، لذا  نجد في كثير من المواضع القرآنية الكريمة لا يكتفي الخطاب الكريم بوصف الحالات الفاضلة التي يكون عليها العبد ،كالإيمان  والتقوى والصبر والإنابة ،بل تذهب به فوراً إلى الواقع التطبيقي كما في قوله سبحانه وتعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ) الأعراف 35 (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) الشورى 40 (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ ) النساء (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) هود 11   ( الذين امنوا وعملوا الصالحات) البقرة82 لكي يتعدى النفع ويعم الصلاح وينحسر الشر  .

و هنا يلتمع  جوهر الإصلاح والتعاطي مع مكافحة الفساد، من أنه مفهوم لن يتأتى أو يتعدى ما لم تصلح الذات الإنسانية وتصدق عزائمها ، وقد قال التاريخ أن مشاريع الإصلاح الحقيقية نهضت وانطلقت على هذا الأساس المتين، …وهنا خليق أن نعرض كل نظام ( عربي ) مهما كانت نحلته على تلك القاعدة القرآنية العظيمة .

لا ريب أن الغرب آمنوا بتلك السنّة أقصد ( المراغمة ) واستوعبوا حقيقتها ، في حين أن التجربة التاريخية تقول: أن العرب لا زالوا كافرين بها متجاهلين حقيقتها، إذا علمنا أن هنالك منظمة دولية تعنى بشئون الفساد والفاسدين في العالم وهي (منظمة الشفافية الدولية) والتي  أتذكر أنها أعلنت في أحد تقاريرها 2004 عن أكبر عشرة فاسدين في العالم  لم يكن من بينهم اسم عربي واحد.!!!

أقول: إن كان من  السائغ أن نصف ما يعتور الحالة العربية من أنه فساد بالمفهوم المصطلح عليه والمتفق على معاييره دولياً ، فليس من صنوف التجني إذاً  لو قلنا أنه: أخبث أشكاله وأشرى أنواعه.

إنه ذلك النوع الذي يتسلل إلى أصلاب الأمم فيعطل أركانها ثم  يطّرحها بعيدا عن المضمار الأممي، إنه ذلك  النوع  المسذّج الذي يهبط متقمصاً دثار النبوة  تسبقه تراتيل آلافك عادة وتزخرفه أنامل الزور مبشراً أن ما تحسه وتبصره فهو مخاض التحرر والانعتاق من ربقة الجوع والجور والفوضى، ومراغمة التلف الموروث من خير السلف ، وتلك سمة  ووتيرة  الحراك  العروبي مذ تشكلت أقطارهم السياسية ، كلما تسنمت زمرة لعنت أختها ، و الفرد ما زال يجاهد  البلاء  فرقاً من درك الشقاء ، والعمه ضارب أطنابه  في الذهن  ،والمشهد العام  سابح   في دياجير التخلف والعنت.

إن الفساد العربي  مترسب في الوعي منذ أمد وقد تحلل وبات رميماً ولكن لم تذروه  رياح التجربة والإرادة كما هو الحال في باقي الأمم ذات المعرفة والحضارة،  فبات  كامنا متربصاً، وما يحيق بنا الآن مرحلة من مراحل  إعادة تدوير هذا الرميم،وهذا هو الخبيث النكد منه.

ولم يتسنم العرب سدة التخلف ألأممي ولم يتذيلوا القائمة لأنهم الأسوأ على الصعيد الدولي.! بل لأنهم الأمة التي  لا ينبغي لها إلا أن تكون أنأى الأمم وأرفعها  وأطهرها عن ذلك المفهوم .بحكم اكتنافهم خارطة النجاة الحياتية  واختيار الرسالة الأخيرة  لجنسهم ، وظهورهم بعد ذلك بفضلها على أمم سبقتهم في ميادين الحضارة والقوة والمعرفة ، فمن هنا يتعاظم معنى الفساد وتستثقل وطأته .

ولا تثريب على دول قبعت في ظل التاريخ إن لعنها الفساد ومزقها كل ممزق، ولا تثريب على مجتمعات ضربها الفساد بسياط الجهل والفقر، وإنما التثريب على أمة وعبت كل دعائم النهوض ودواعي التمكين والغلبة ، إنما التثريب على أمة شهد بعلوها وامتيازها رب العالمين أنها ( خير أمة أخرجت للناس ) كيف إذاً يكون هذا مآلها ؟

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ الأعراف : 175 وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ …الآية الأعراف
نعم …لما انحسر رداء الإسلام من عاتق العرب وطوّق نير ( العروبة ) أعناقهم لم ينفكوا مخلدين إلى الأرض.

لجينيات
٢٠١١/١
محمد بن إبراهيم الهدلق