السعوديون والطور الجُحَوي.. تأملات في واقع مجتمعي    

جحا
إدخال تسمية توضيحية

هل تساءلت مثلي وأنت تتأمل الواقع الاجتماعي الذي يعيشه السعودي اليوم وإلى أي طور ضاحك بات يتقحم أغواره..؟
حقاً إنني أتساءل..!

لماذا أمسى المصرف الحاضر للحادثات التي تدهمنا أو النواز التي تهبط على مشهدنا لا يسوغ إلا من خلا ذلك الأتون الساخر كأسرع مخلاص لها والافتكاك من أثارها.؟
والمعلوم أن التفاعل مع النوازل والتعاطي مع أثارها مؤشر صدوق وسابر دقيق يُبرز مدى وعي الشعوب وإلى أي بعد تتجه بوصلتهم سواء على صعيدها الفكري أو على صعيدها السلوكي، لكن السابغ على حراكنا اليومي وكأن غيمة من أفيون أمست تظل هاماتنا لا ننفك نستمطر طرائفها ومضحكاتها في الغدو والآصال. والأفيون وأضرابه وإن كان يرجئ آثار العلة ويثبط تفاقمها إلا أنه لا يحسمها، بل إنه مع تلاحق الزمن يدفع نحو تطور تأزمها.. لذا لا أكتمكم وأنا في غمرة الفكرة كنت أكفكف معنى يتواثب في ذهني حول تلك الحالة الساخرة لتي تحاصرنا اليوم، لكني كلما زجرت هذا المعنى ودمدمت بواعثه عاد فامتثل إلى ذهني كرة أخرى حتى ذرعني وأكرهني إلى نثر كنانته لكم فآثرت بثه وإشراككم فيما استبد بي من تصور في أصل تلك الحالة التي تواقع مجتمعنا.
تشعر أن سيرة مجتمعنا اليوم يصدق عليها ما يصدق على سيرة الشخصية التراثية (جحا) لكني قبل أن أشرع في ذلك، أُعيذك أن تحتسبني أنزع إلى تقصد النقيصة أو أعمد ركوب الذم من أنني أشبهت أشهر موصوم بالغفلة وأعظم من التصقت به خلَّة الحمق في تراثانا الأدبي بحال مجتمعنا، فلتترسلعلي بظنك وليحتملني حلمك، فما أزعم المكرم جحا إلا أنه أبعد مهموم وأحسر مغموم لو علم أن سيرته التي سلكها مع أناسه وفي معاشه أورثته هذا المآل.

فقد لا يعلم كثيرنا عن جحا سوى أنه شخص فاكه بسيط استحكمت الغفلة من ذهنه وتأصل الحمق في طبعه، فانعقدت سجيته على تلك الهيئة المضحكة فاتخذه القوم بعد ذلك سُخريّا.. بل وقد يخال أن هذه الشخصية تخلقت من أخيلة الناس فتكلفوا في أخبارها وغالوا في أحوالها وبسطوا لها عالماً افتراضياً زاخراً من الطرائف والفكاهة فتجللت حينئذ برداء أسطوري يجافي الحقيقة، حتى أمست موئلاً رمزياً لكل معنى ساخر أو موقف ضاحك أو أحدوثة هازلة، وقد ضرب العقاد شيء من هذا القصد حين تناول ملامح هذه الشخصية فخلع على صاحبها لقب (أمير المضحكين) وأظنه نحا إلى تعسر أن يتصور العقل حقيقة أن ذات إنسية واحدة بموسوعها أن تتقمص كل تلك الأنماط (الكوميدية) فالزمان والمكان لا يستوعبان حدوث هذه الطفرة الإبداعية مهما تكرمت الظروف.
وبالفعل فقد جاوزت هذه الشخصية تخوم قطرها الجغرافي فوثبت إلى أقاليم أخرى واستنسخت إلى اثنتين فتكونت في إيران وعرفت باسم الملا نصير الدين وكذلك في تركيا وعرفت باسم الخوجة نصير الدين، والحق أن هذه الشخصية فاضت واستفاضت ولا تستكثر لو كانت في زمن الإغريق أن تُنصَّب إله للضحك والفكاهة جرياً على مألوف سيرتهم.
لكن جحا لقب لشخصية حقيقية، يذكر أنه يكنى: بأبي الغصن، واسمه دجين بن ثابت اليربوعي وقيل الفزاري وقد زامن حدثاً سياسياً جليلاً يُظن أن له كبير الأثر في انقلاب نهجه وتبدل سلوكه مع الناس، فقد عاين السقوط الدامي لدولة بني أمية وصعود دولة بني العباس على أنقاضها، والمعلوم أن حدثاً جسيم كهذا سوف يلقي بأثقل الظلال على مشهد الحياة قاطبة، فكثير من الهياكل المألوفة ستتقوض، والراسخ منها ستنفحه ريح الضعضعة ويستبد به الوهن، وفي أدبار هذه التخلخلات الهياكلية حتماً سترتفع أخلاق وتتنزل أخلاق، بحسب هيئة النازلة التي خرت بثقلها على واقع الناس حينذاك، ولك أن تتلمس شيء من هذا المعنى في حراك الحياة وفي أعقاب الثورات الشعبية التي ينتظم في سِلكها الطغام من الناس وأيضاً الانقلابات العسكرية النازفة حينما تبسط هيمنتها الجبرية بالحديد والبارود، فالقاهر المتغلب هو من سَيُسَوّد أخلاقه ويملي على إرادة الشعوب أفكاره و رغباته.
وفي الجملة هذا ناموس التدافع والتعاقب الإنسي وسيرورة الحياة الأرضية، أسباب يزجيها الله سبحانه بخفي علمه ودقيق لطفه.. (فخلف من بعدهم خلف.. الآية) خلف حسن يردفه خلف سيء وخلف سيء يردفه خلف أسوأ، وهكذا تذهب الحياة إلى السوء المحض حتى لا يبقَ على ظهرها من يقول الله الله، وهم شرار الخلق الأخابث والذين عليهم تقوم الساعة.
لكن هنا يَبطُن أمر لطيف، أن الشارع لم يندبنا للتسليم لهذا المعنى وإعطاء مقاليد الحياة لأوباشها يسوقونها بأخلاقهم ويُصرّفونها بأهوائهم، بل أمرنا بمدافعة هذه الأحوال ومغالبة أهلها والتصدي لأسبابها، فالتوجيه النبوي يدفعنا نحو هذه الفضيلة، يقول عليه الصلاة والسلام:( الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا ويصبر على أذاهم).

أعود إلى جحا الذي يذكر أنه كان من أعقل أهل زمانه في ذلك  الوقت وبخلاف ما أشيع عنه من تسلط الغفلة والبَلَه على عقله ورسوخ الحمق والنَوَك في طبعه، بل إن المأثور من تاريخ الرجل تسلل اسمه تراجم الرجال الذين رووا الحديث الشريف عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، وإن نزع هذا المعنى منزع اللبس والاضطراب بين فريق مُثبتٍ وآخر مُنفٍ فما يعنينا هنا أن الرجل كان على قدر من الفطنة والحذق والكياسة، لكن المتقصي لسيرته يبصر أن الرجل استحب أن يستجن بهذه المعاني التي تتخذ من أحوال السخرية مِصَدَّاً كاسحاً دون المآذي المنبعثة من أخلاق الناس وسوء طباعهم في ذلك الحين، سواء على صعيد عوامهم أو خواصهم فقد أُثر عنه أنه كان يقول:( حمق يعولوني، خير من عقل أعوله) وهذا لعمري معلوم من فقه الأخلاق بالضرورة، أن أصحاب الهمم الملتزمون بفاضل المبادئ المتمسكون برفيع القيم هم العرضة الأدنى من الأذى والشر ورداءة أخلاق البشر، ومع الأسف أن هذا الصنف السيء من الناس هو الغالب المتكوثر على صفحة الأرض، فالناس هم من يرسم ملامح أزمانهم ويلون أمزجة أيامهم، وما الزمان إلا وعاء لأهله، إذا تكاثر فيه الفاسد فسد، وإذا تكاثر فيه الصالح صلح، وما صلح زمان محمد عليه الصلاة والسلام إلا بصلاح أهله، وما تقاصر الصلاح فيمن بعده إلا بتكاثر فساد أهله،والنص النبوي الصحيح صريح الدلالة على هذا المعنى ( خير القرون قرني الذي بعثت فيه ثم الذي يلونهم..)
ويبدو أن جحا ليس وحده من تلبسته تلك الحالة الاجتماعية المستعارة ولكن يذكر أن أبا نواس الشاعر العباسي الذائع المطبوع تملكته تلك الحالة وبسطت هيمنتها على فكره وسلوكه مع مجتمعه حينذاك، مع أنه أوتي بسطة في العلم وفطنة ظاهرة في بواكيره، بل إنه جَدَّ في طلب الحديث الشريف ونقل أنه راواه وروي عنه إلا أن شقوة الشاعر غلبته وانتحت به جادة المجون والفحش والخلاعة حتى ذاعت سمعته بذلك وضربت شهرته الأفاق بخمرياته ومنكراته وتشببه بالمردان والنسوان فأمسى مَثَلُه كمثل صاحبنا جحا.. إمام في هذا المقام يُنحَل عليه من الفواحش والمناكير من جنس ما يقول ما هو براء منه.

لكن يذكر كذلك أن ثمة صارف صرف أبو نواس إلى حيث تلك الحالة الهاربة نحو السفول والحضيض الأخلاقي، وأن ظرفه الحياتي الذي كان يحوطه في ذلك الوقت حتم عليه هذا الانتحار القيمي وارتضاء هذا الُمقام السافل. يذكر زكي مبارك عن أبي نواس: “أنه كان يهزل بفضل ما عنى من قسوة الجد، فهو في هزله يمثل الجد في صورة مخيفة” ويردف “أن الحاقدين من معاصريه طوقوه بألوان من النمائم والوشايات وحالوا بينه وبين ما كان يشتهي من منازل المجد، فأقبل على الصهباء يبثها شكواه من الزمن الخادع والرفاق اللئام”.
إذاً كان أبو نواس هارباً من واقع حقيقي إلى آخر افتراضي دفعه إليه خيبة الأمل التي حصدها من أخلاق الُخلطاء والناس عموماً، بعدما كسد نبوغه وبار طموحه وخارت همته في أسواق اخلاقهم. وبالطبع أن مقتضى هذا الحال لا يسوغ أن كل من خاب ظنه في سعيه ولم يكن نصيبه من حظه مكافئاً لطموحة وعطائه أن يلوذ إلى تخوم الرذيلة ويَخلُد إلى قيعان السفه والفسوق نكالاً  بسلوك الحياة التي عاندته ونكاية بانحراف مزاجها عن مشتهاه بغيته حتى استورث هذا المستقر البئيس، ولكننا نُشخّص واقعاً ونقرر حقيقةً أن هذه الأحوال قد تطرأ على أي نفس سوية فتحرفها عن مساقها إلى مساق آخر تماشياً مع ظرف قاهر هيمن على محيطها، فتستجن راغمة وراء أقنعة تضمر من حقيقتها ما لا تظهر،
فهل نحن في غمار هذا الطور الحادث فعلاً.؟
هل حقاً اكتسحَنا اليأس حتى تقنعنا بوجوه السخرية الهازئة نلوذ إلى ضفاف مجهولة نلقي إليها ما أثقلنا من أحمال وما أجهدنا من أعباء.؟ وهل نحن حقاً مثل جحا آثرنا الاعتصام إلى أخلاق افترضنها هرباً من واقع أشد قسوة وأمض مرارة.؟ أم نحن كمثل أبي نواس بين صبوة الهوى وجحود الزمن انصرفنا بين سارب بالليل ومستخف في النهار إلى ثُمَالات موهومة نحرق في أتونها ما يشاكس رغائبنا ويعاند آمالنا في هذه الحياة.

محمد بن إبراهيم الهدلق

 

 مجاعة الزعامة 2/2

النفثة المسحورة:

لما انسابت تلك الثورات الغضبى صوب الشرق المنكود، كالنفثة المسحورة ما إن تلامس عروش الجبابرة حتى تخالها ومن عليها كالهباء ، رجفة حاقت بأذهان الشعوب العربية قاطبة من جراء تهاوي السلاطين بهذا المشهد (السحري) …..عنوانها :
أن لو كانت تلك الشعوب المسكينة تعلم الغيب ….. ( ما لبثوا في العذاب المُهين).!

والحق أنه عذاب مُهين ذلك الذي جعل الاحتراق السبيل الأخير للتعبير عن الحالة والمشاعر اللتين يعانيهما الفرد .

وان تفوقت النظم العربية وقطفت ثمرة جهودها أن أوصلت الفرد إلى تلك الحالة من القنوط واليأس المتناهي إلى درجة الزهد في الحياة والخلاص منها بأبشع الصور ، فإنها كذا نجحت على صعيد آخر في ارتسام حالة الجذل والاحتفال التي رانت على محيا المشهد العربي إزاء تلك الثورة وما تلاها ، حتى خيل إليك أنك تعيش   نسخة ثانية من ( نصر الله والفتح ) . مما أغرى المزيد من حالات الاحتراق الذاتي تجوب الأقطار العربية ظناً أن كل زعيم سوف يرى تلك الشعلة الجسدية الملتهبة سوف يرسل قدميه للريح غير معقب كما فعل ابن علي ( الهارب )  في مشهد يحاكي ما يقرأ في روايات( هاري بوتر ) السحرية، بلا ريب أن الذائقة العربية ( العاطفية ) استطعمت ذلك والتهمت الكثير من التفاصيل بمسوغ إعلامي مكين…!

ثورة لأجل ثورة:

وتاريخ العرب الحديث متخم بالثورات .. وكلها بائرة، بل إن المردة الذين نراغمهم اليوم جاءوا على جناح ثورات سابقة مبشرين بميلاد العهد الجديد.. ميلاد الرخاء و الرفاه والكرامة، وقد كانت الشعوب تخلع عليهم أجل الألقاب وفي الميادين تهتفهم بأكمل الأسماء  وأنبل الصفات.. مع بطونهم الضامرة ..ووجوههم الشاحبة من سيما الجوع والعنت.!

وفي العهد القريب اجتثت ( أمريكا ) نظام البعث العراقي ( المستبد ) من جذوره من غير مؤونة ( ثورية )  وحل نظام ( مهجن ) يزعم أنه تسنم السلطة بإرادة الشعب المحضة وعبر صناديق الاقتراع (الفارغة) … وبغض النظر عن ( التراجيديا) العراقية التاريخية كان المنتظر من أي نظام أو حكومة جديدة في النطاق  العربي، اختزال التجربة السياسية العربية بتلافى مثالبها وسوءاتها التي اعتورت مسيرتها على مر الحقب الفائتة، غير أن تلك الحكومة الجديدة لم تكتف بالمصادقة على خيبة العرب السياسية وحسب، بل إنها انتحلت  سلوكات كانت الذائقة العربية الأخلاقية البدائية  تأنف من ذكرها وتترفع عن إتيانها، ثم إن كل رذيلة سياسية ومتلفة إدارية لم تتورع في الولوغ فيها باقتدار  قذر حتى باتت العراق منافساً ضارياً على سيادة قائمة الفساد العالمية ….  ثم أمست العراق كما نرى ( قطعة مَهينة من أرض فارس المجوسية ) وبكل جنون نراها  اليوم لا تفتأ رقصاً على إيقاع البارود الدامي.

إن عاقل العراق اليوم لا بد أنه يتذكر سترة صدام العسكرية وكأنها  بردة  عمر بن عبد العزيز رحمه الله…..!

وتلك ومضة صدوق وإن عكست إجمالا واقعا من فقر العقل العربي السياسي مع كريم  الفرص التي لاحت له لتقديم مشروعه السياسي( العرقي ) المزعوم بعد تحلله  من ثوب الإسلام ، ومدى العوز والبؤس الذي يعتري أدواته السياسية ، إلا أنها تصادق بجلاء حول حقيقة الثورات العربية وكنهها وأنها لازالت مفرغة من أي محتوى نهوضي، وأنها تذهب بعد رحيل النظام أو سقوطه إلى فوضى عارمة تعطي الشرعية الحتمية لتخلّق شخصية (الدكتاتور)  أو الطاغوت العربي الجديد .والإرهاصات تطفوا الآن على المشهد التونسي والمصري على حد سواء، ولكن في الحالة المصرية فإنها احدوثة  تخالها من شوارد ( صندوق العجائب)، مثخنة بالأشجان متخمة بالعبر:

فاصل ….ثوري:

في مصر  دوّت صرخة المضنوكين في وجه ( الزعيم المخضرم ) حتى نبذته خارج أسوار الملك، في مشهد طافح بالخزي ناضح بالعار ، لقد كان يعتصر كبرياء سني ملكة المجيد يتسول منها قطرات من كرامة يواري بها سؤدده العتيق، ولكن ليت شعري، فلات حين سامع .
استحالت الأفواه بنادقا والصريخ رصاصا وسُكّرت الأبصار وصمت الآذان ، فتزلزلت أركان الجبروت وتمزقت أوصال البطش وانفجرت أرض الكنانة في بضع ليال حسوما،…… فيا للعجب ……!

غادر المسكين أسيفاً والكمد يأكل جوفه الموجوع ،غادر المسكين والأثاث والرياش وسرادق القصر العثماني المشيد يزفون خطاه الأخيرة همساً بصوت واحد حسير:
رزقت ملكا لم أحسن سياسته *** وكل من لا يسوس الملك يخلعه

والمشهد الذي كان ينازع الظهور في الحكاية المصرية والتهمته
العاطفة العربية بوازع من الآلة الإعلامية العربية العتيدة ،أن حالة الإذعان والسكينة التي تغشت ( الزعيم ) وعبق الموادعة التي رانت على كلماته ساعة الاحتضار ( السياسي ) الأليم، ليست محض إنابة وتراجعات سياسية وحسب، بالتأكيد ..أن الأمر ليس كذلك….

ألم تروا ذاك ( المارد) الأمريكي الجاثم على صدره يرقب سكناته وحركاته… كان يعدد أنفاسه ، لقد كان يجرعه الشواظ ، والحق أنه ما كان يسيغه غير أن أدوات ( الأسطورة) تفوق معطيات (الحقيقة) بكثير ….. لقد ابتلعه المارد وكأن لم يغن في الحياة.. إنه أوان الوفاء أيها الزعيم..  فما كانت ( سماء القاهرة بدولارات أمريكا ممطرة ) لأجل بريق عينيك العربيتين الكريمتين، ثم استدبر هذا المارد الشرق المحترق وثمة شعب عربي يئن  ولا أثر له ولا خبر ولعله تلاشى في قمقمه التليد يغط في سبات أبدي….!

 أطوار طاغوتيه:

هنا لسنا بحاجة  أن نستعرض  مسار الموجة الثورية العربية حتى نهايتها والتي بدأت تأخذ شكلا يتفق بالفعل والطبيعة السياسية العربية التقليدية حيث التعامل بمهنية فائقة وإنسانية متناهية مع أحوال التبرم الشعبي ولو كان مجرد من أي (نزوة سياسية) فإن معاني (القمع و التنكيل ) سوف تنتهض وتبعث على الفور وتشرع  تأخذ أدوارها الاعتيادية ،
أقول:

لو أن التجربة الثورية الأولى انطلقت من البوابة السورية أشك أنها سوف تتجاوزها و تواصل سيرورتها بانسياب مروراً بباقي الأقطار العربية  ، فالمعلوم أن النظام السوري الراهن أطبق على مفاصل الحكم بتفوق بعد أن أسدل الستار على مسرح الانقلابات الدامية التي اعترت الساحة السياسية السورية بُعيد الاستقلال، ولكنه خرج من تلك التجربة (كالكلب العقور) الذي  استقرت مشاعره و مداركه بين فكيه،  فما عاد يحسن  من السلوك سوى العض والنهش،  ومن بعد  مجزرة حماة… ملحمة النظام الوحشية ..ميلاد الذعر والرهق والمسغبة.. لقد كان شطر البارود الذي غشى حماه  والعسكر الذين دهموها كفيلين بتطهير الجولان المغتصبة واسترجاعها، ولو قدر واستمرت جذوة الهمة الفاجرة التي ساقت ذلك، لا نجازف لو قلنا  أيضاً.. شيء من أرض فلسطين المحتلة .

لقد باتت تلك المجزرة أشبه بينبوع الخوف الدافق يروي منابت الموادعة والتسليم والمصابرة بل والمدافعة أيضاً  لأي خاطرة شقية تتوجس أحوال التبرم والضجر  من تلك الأغلال الثقال التي ضربها هذا النظام ( العربي ) الغاشم .

بعد هذا أيقن السوريون  أنهم إزاء نظام بالفعل قد (استكلب )  ولا  طاقة لهم ولا سبيل  بدفعة وعليه يتوجب أن ( لا يعدلوا بالسلامة شيء)…ولكن.. للأسف .. أن الإمعان في تعاطي حالة قهرية كتلك أقل ما تورث هو هالة  التقدس التي سوف تحوط الزعيم وكل شيء يقوم مقامه  ،فالحياة سوف تدور في فلكه ، وإيقاعها  سيغدو مُسبحاً بحمده مقدساً له، ثم أن أي شذوذ عن تلك الوتيرة  الجبرية و التناغم القسري سوف يعد مروقاً عن المشيئة يوجب النكال والعذاب الأليم ، والإبادة التي يتعاطها هذا النظام الفاجر ضد شعب بأكمله تصادق على أن هذا المفهوم استبد به وأنه يتيه في طور مجنون من أطواره وهو : أن هذا (الطاغوت) يزمع أن يسحق هذا الشعب عن بكرته ويأتي ( بشعب جديد). يحكمهم حسب مشيئته.

بين ثورتين …ومضة:

بين الحالة المصرية والسورية ،الفائدة اللامعة تقول:

أن التجربة السياسة العربية تبوء بجلاء أنه كل ما استبد النظام الحاكم بالسلطة واستقل بعراها وتحرر من أي قيود خارجية ضاغطة تفرضها المصالح والمنافع المشتركة فأنه يستحيل إلى جبار عاتٍ متغطرس، وأن مقدرات البلاد ملك مشروع له ولأهله، وأن الشعب مسخر في خدمته أو كأنه من بواقي ( جاهه ) ، و لا يتورع عن فعل أي أمر يعزز به سلطانه ويوطد به جبروته .

إذاً..

لا زال من صالح جل الشعوب العربية أن تكون رقاب أنظمتها الحاكمة ( الواهنة) في قبضة الغير من (القوى الأجنبية ) درءا لوابل البارود الغضوب الذي يستشعر أحوال التأفف والتسخّط الشعبي عن بعد.

لجينيات ٢٠١١/٨

محمد بن إبراهيم الهدلق

مجاعة الزعامة 2/1

واﻟﺰﻋـﻴﻢ اﻟﻌـﺮﺑﻲ ﻳﺘـﺴﻨﻢ اﻟـﺴﻠﻄﺔ وﻳﻌـﻠﻢ ﻳﻘﻴـﻨﺎً أن ﻟﻦ ﻳﺒﺎرﺣـﻬﺎ ﻫﻮ وذرﻳـﺘﻪ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ وﻟﺞ

(اﳉـﻤﻞ ﻓﻲ ﺳﻢ اﳋـﻴﺎط) ذﻫـﺎﺑﺎً إﻳـﺎﺑﺎ إﻟﻰ ﻳﻮم اﻟﺪﻳﻦ ، ﻓﺎﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ وﻣﻌﺎﻧﻴـﻬﺎ ﳑﺎ ﺟﺒـﻠﺖ ﻋﻠﻴـﻬﺎ
ﻓﻄﺮﺗﻪ، وﻣﻔﺮدﺗـﻬﺎ اﻧﺘـﺴﺠﺖ ﻣﻊ وﻋـﻴﻪ ﻣﻨﺬ أﻣﺪ ، ﻏـﻴﺮ أن اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻷول ( اﳉﺎﻫﻠﻲ ) ﻛﺎن
ﻳﺮوﻣﻬﺎ وﻳﺘﺮﻗﻰ ﻓﻲ ﻣﻌﺎرﺟﻬﺎ ﺑﺠﻤﻠﺔ ﻣﻦ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ واﳌﻌﺎﻧﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﺴﻤﻮ ﺑﻪ ﺑﻌﻴﺪاً ﻋﻦ اﻷﺛﺮة
و ﺣﻆ اﻟﻨــﻔﺲ ، وﻛﻠــﻤﺎ أوﻏﻞ ﻓﻲ ﺗﻌﺎﻃﻴﻬــﻤﺎ  و أسرف في ﺗﻌﻈﻴﻤﻬــﻤﺎ ﻛﻠــﻤﺎ ﲡﺬّر اﺳﺘﺤﻘﺎﻗﻪ ﻓﻲ السيادة والشرف والمآل الإجتماعي المجيد ، وﻧـﺤﻦ ﻧـﻘﻮل ﻫﺬا ﺑﺤـﻜﻢ أن اﳊﺮاك اﻟﻌـﺮبي
ﺟﻤـﻠﺔ ﻛﺎن ﻗـﺒﻞ اﻹﺳﻼم ﻻ ﻳـﻌﺪو ﻧـﻄﺎق اﻟﻘﺒﻴـﻠﺔ ذات اﻟﻨـﻤﻂ اﳊـﻴﺎﺗﻲ اﻟﺒـﺴﻴﻂ ﻋـﻠﻰ ﺷﺘﻰ
اﻟــﺼﻌﺪ ،أﻣﺎ اﻟﻌــﺮﺑﻲ ( اﳊﺪﻳﺚ ) ﻓــﻠﻢ ﺗﻜــﺸﻒ ﲡﺮﺑــﺘﻪ اﻟﺴﻴــﺎﺳﻴﺔ ﺳﻮى ﺟــﻮﻋﺔ ﺳﻠﻄﻮﻳﺔ
ﻣـــﺠﺮدة ﻣﻦ أي ﻣﻌـــﻨﻰ ﻣﻦ ﻣـــﻌﺎﻧﻲ اﻷ ﺳﻼف اﻟﻔـــﺎﺿﻠﺔ ،واﺳﺘﺌﺜﺎر ﺻﺎرخ ﺑـــﺄﺳﺒﺎﺑﻬﺎ
،وﻣﺴﺒﺒﺎﺗﻬﺎ ، ﻟﺬا ﺣﻮت ﺑﻮاﻛﻴﺮﻫﺎ ﻋﺠﺒﺎً ﻣﻦ اﻟﺴﻔﻪ واﻟﻄﻴﺶ واﳌﺮاﻫﻘﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ اﳌﻨﻜﺮة
وﻻ ﺗﺜﺮﻳﺐ ..! إذا ﻋﻠﻤـﻨﺎ أن آﺧﺮ ذﻛﺮى ﻟﻠﻌـﺮﺑﻲ ﺑﺎﻟـﺪوﻟﺔ واﻟـﺴﻠﻄﺎن ﺑـﻌﺪﻣﺎ ﲤـﺰﻗﺖ أﺷﻼء
اﳌﺴﺘﻌـﺼﻢ اﻟﻌﺒـﺎﺳﻲ ﲢﺖ ﺳﻨﺎﺑﻚ ﺧـﻴﻞ اﻟﺘـﺘﺎر وﺳﻘﻮط اﳋﻼﻓﺔ، ﻓـﻠﻢ ﺗـﻘﻢ ﻟﻪ ﺑـﻌﺪ ذﻟﻚ
ﻗﺎﺋﻤﺔ، ﺗﺬﻛﺮ واﻧﺘﺒﺬ ﻣﻦ ردﻫﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻫﺎﻣﺸﺎً ﻗﺼﻴﺎً ﻻ ﻳﻌﺘﺪ ﺑﻪ ﻓﻲ دﻳﻮان اﻷﱈ، ﺣﺘﻰ
ﺳﻘﻄﺖ دوﻟﺔ اﳋﻼﻓﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧــﻴﺔ ) اﻟﺘﺮﻛــﻴﺔ( وﻗﺪ ﻛﺎن ﺧﻨــﺠﺮاً ﻣﻜﻴــﻨﺎً أورده
اﳌـﺴﺘﻌﻤﺮ ﺑﺤﺮﻓـﻴﺔ ﻓﺎﺋـﻘﺔ ﻓﻲ ﺧـﺎﺻﺮﺗﻬﺎ، ﺣﻴﻨـﻤﺎ أﻏﺮاه ودﻻّه ﺑﺎﻟـﺪوﻟﺔ واﻟـﺴﻠﻄﺎن ﻣﻦ ﺣـﻴﺚ ﻋﺮﻗﻪ ذي اﻟﻘﺪاﺳﺔ اﳌﻮﻫﻮﻣﺔ ﺛﻢ ﻃﻔﻖ ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ ﳝﻨﻴﻪ وﻳﻌﺪه.. وﻟﻴﺖ ﺷﻌﺮي..

فهل(ﻳﻌﺪ اﻟﺸﻴﻄﺎن إﻻ ﻏﺮورا)..

ﻏﻔﻮة .. ﻋﻠﻰ ﻣﺮﻗﺪ اﻟﺸﻴﻄﺎن:

وﻓﻲ ﳊـﻈﺔ زﻣﻨـﻴﺔ ﺛﻤـﻠﺔ، أو ﻗﻞ ﻧﻔـﺤﺔ )ﺑﺮزﺧـﻴﺔ( ﺗﻐـﺸﺖ اﳌـﺸﺮق اﳉـﺪﻳﺪ، اﻧـﺼﻬﺮت ﻓﻲ
ﻏـﻀﻮﻧﻬﺎ ﻛﻞ اﻟـﺜﻮاﺑﺖ واﳌـﺒﺎدئ اﻟﺘﺎرﻳﺨـﻴﺔ وأﺿﺤﺖ اﻟﻬـﻤﻮم اﻟﻌﺮوﺑـﻴﺔ واﻵﻣﺎل اﻟـﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ
ﻓﻲ ﺣﻘﻴﺒﺔ ( واﺣﺪة ) ﻳﺘﺄﺑﻄﻬﺎ اﳌﺴﺘﻌﻤﺮ أنّى ذﻫﺐ ﻓﻲ اﶈﺎﻓﻞ اﻟﺪوﻟﻴة.. ﻣﻊ ﻗﻠﻴﻞ ﻣﻦ
اﻟﻐﻀــﺎﺿﺔ ﺗــﺴﺘﻄﻴﻊ اﻟــﻘﻮل ﻓﻲ ﻏــﻤﺮة ﺗــﻠﻚ اﻟﻐــﻔﻮة (اﻷﺧﻼﻗــﻴﺔ اﻟﺴﻴــﺎﺳﻴﺔ ) أن اﻟﻌــﺮوﺑﺔ
واﻟـﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ أﺻﺒﺤﺘﺎ وﺟﻬـﲔ ﻟﻌﻤـﻠﺔ ﺳﻴـﺎﺳﻴﺔ واﺣـﺪة.واﻟﺬي ﻗﺎم ﺑـﺴﻚ ﺗـﻠﻚ اﻟﻌﻤـﻠﺔ ﻫﻮ
.،!..ﻣﻦ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ وﺣﺪه ﺻﺮﻓﻬﺎ ﻓﻲ اﻷﺳﻮاق اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ
ﻟﻘﺪ اﺳﺘﻨﻬﺾ اﳌﺴﺘﻌﻤﺮ اﻟﻐﺮﺑﻲ )اﻟﺬِﻛﺮ( اﻟﻌﺮوﺑﻲ اﳋﺎﻣﻞ و ﺑﻌﺜﻪ ﺟﺴﺪ ﻋﺎرﻳﺎً ﻣﺠﺮدًا ﻣﻦ
ﺷﻌﺎره ودﺛﺎره وأي أﺛﺮ ﻳﺬﻛّﺮه بذكر ( اﻹﺳﻼم ) وﻣﺬ ﺗـﻠﻚ اﳊﻘـﺒﺔ ﺣﺘﻰ اﻟـﻴﻮم ﻣﺎ اﻧـﻔﻚ ﻫﺬا
اﳉﺴﺪ اﻟﻮاﻫﻦ اﻟﻔﻘﻴﺮ ﻳﺘﺮﻧﺢ ﻳﺒﺤﺚ عمَ ﻳﻮاري ﺳﻮأﺗﻪ .. ! ﻟﻘﺪ ﲤﺮغ ﺑﺘﻔﺮد واﻣﺘﻴﺎز ﻓﻲ
أوﺣﺎل  ﻣﺎ ﺧﻠﻔـﺘﻪ اﻟﺘﺠـﺮﺑﺔ اﻹﻧـﺴﺎﻧﻴﺔ اﻟﻔﻜـﺮﻳﺔ اﻟﻘـﺎﺻﺮة وﻣﺎ ﻓﺘﺊ ﺣﺘﻰ اﻟـﺴﺎﻋﺔ ﻓﻲ دأب
ﻳﻠـﻬﺚ ، وﺑـﻌﺪ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻧـﺼﻒ ﻗﺮن، ﻟﻚ أن ﺗﺘـﺄﻣﻞ ﻋـﻠﻰ رﻗـﻌﺔ اﻟـﻮاﻗﻊ اﻟـﺼﺮﻳﺢ، اﻟﻜـﻴﺎن
اﻟــﺼﻬﻴﻮﻧﻲ ) اﻟﺪﻋﻲ ( واﻟﻜــﻴﺎن اﻟﻌــﺮﺑﻲ ) اﻷﺻﻴﻞ (، ﺑــﻌﺪ أن ﺗــﺮﻛﻞ ﻣﻦ ذﻫــﻨﻚ ﻓــﻜﺮة
اﳌﺆاﻣﺮة اﻟﻐﺎوﻳﺔ اﻟﺘﻲ أوردﺗﻨﺎ اﳌﻬﺎﻟﻚ، وﻣﻜﺎﺋﺪ اﻟﻌﺪى وﺣﺒﺎﺋﻠﻬﻢ اﻟﻔﻜﺮﻳﺔ اﳋﺒﻴﺜﺔ ،وأﻧﻬﻢ
ﻓﻲ ﺷﻐﻞ ﻳﺘﺮﺑـﺼﻮن ﺑـﻨﺎ اﻟﺪواﺋﺮ…إذاً: ﻟﻦ ﺗﺘـﺄﺳﻰ ﺳﻮى ﻋـﻠﻰ ﻣﻦ أذﻫـﺒﻮا ﺷﻄﺮ ﺣـﻴﺎﺗﻬﻢ
ﺣـﺴﺮات ﻳﻨـﺸﺪون اﻟـﺴﺒﻴﻞ وﻳﺘﺤﻴـﻨﻮن اﻟـﻀﺎﻟﺔ ﺣﻮل ﺳﺮ ﺣَﺮن ﻫﺬا ( اﻟـﻌﺮق ) ﻓﻲ ﻣـﺮﺑﺾ
اﻟﺘﺨــﻠﻒ اﻷﳑ ﻲ وأﻧﺖ ﺗــﻘﺮأ ﺣﻮل اﻟﻨﻬــﻀﺔ اﻟﻌﺮﺑــﻴﺔ وﻧــﻘﺪ اﻟﻔــﻜﺮ واﻷﺧﻼق واﳋﻼص
اﻟﻌﺮﺑﻲ، وﻛﺄن ذاك اﻟﻌﻨﺼﺮ ﺑﺎت ﻣﻦ أﺳﺮار اﻟﻜﻮن وﻏﻮاﻣﺾ اﻟﺪﻫﺮ وﻟﻢ ﻳﺰدد اﳊﺎل اﻟﻌﺮﺑﻲ بذلك ( إلا خبالا )

اﻟﺴﻠﻄﺎن و اﳌﺘﺴﻠﻂ ﻋﻠﻴﻪ:

ﻣﺎ إن ﺷﺮع اﳌـﺴﺘﻌﻤﺮ ﻳﺘـﺠﺎوز ﺗـﺨﻮم اﻟـﻌﺮب ﺣﺘﻰ ﻫﺮع ﻛﻞ ﻣﻦ ﻳﺮى أﻧﻪ ﺧﻠـﻴﻖ ﺑﺎﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ
ﺻﻮب ﺑﻨﺪﻗﻴﺘﻪ اﳌﺴﺘﻌﺪة ﻟﻠﻔﺘﻚ ﺑﻜﻞ ﻣﻦ ﺗﺴﺎوره ذاﺗﻪ ﺑﺤﻠﻢ اﻟﺘﺰﻋﻢ واﻟﺮﺋﺎﺳﺔ ، ﻓﻲ ﺳﺒﻴل
ذﻟﻚ ﻃﻔﻘﺖ اﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﳉﻤﺎﺟﻢ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺗﺘﻬﺎﻓﺖ ( ﻛﺄوراق اﳋﺮﻳﻒ)  ﺣﻴﻨﻬﺎ ران ﻋﻠﻰ
اﻟﺬﻫﻦ اﻟﺴﻴـﺎﺳﻲ اﻟﻌـﺮﺑﻲ أﻧﻪ ﻟﻦ ﻳﻨﺘـﻈﻢ أﻣﺮ اﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ وﻟﻦ ﻳـﺴﺘﺘﺐ ﺣﺎﻟـﻬﺎ إﻻ إذا أﻃـﺒﻖ ﻛﻞ
ﻣﻦ ﻳـﺰﻣﻊ ﲡـﺸﻤﻬﺎ ﻋـﻠﻰ ﻣﻔـﺎﺻﻞ اﳊـﻴﺎة ﻗﺎﻃـﺒـﺔ،وﺑﺎﻟﻄﺒﻊ أن أﻗﺪر ﻣﻦ ﻳـﻀﻄﻠﻊ ﺑﺘـﻠﻚ اﳌﻬـﻤﺔ
ﺑﺤﺮﻓـﻴﺔ وﻣـﻬﺎرة ﻫﻢ ( ﺟـﻨﺲاﻟﻌـﺴﻜﺮ ) اﻟﻔـﺎﺗﻚ اﻟـﺴﺎدر، وﺑﺎﻟﻔـﻌﻞ ﻟـﻘﺪ ﺗﻌـﺴﻜﺮت اﳊـﻴﺎة
اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ وﲤﺎﻫﺎ ( ﻣﻴﻜﺮوب  اﻟﺒﻮﻟﻴﺲ ) ﻓﻲ ﺗﻔﺎﺻﻴﻠﻬﺎ وﺑﺎﺗﺖ زﻓﺮات اﳌﻮاﻃﻦ اﳌﻐﻠﻮﺑﺔ ﻻ
ﺗـﺄﺧﺬ ﺳﺒﻴﻠﻬﺎ ﺳﻮى ﻣﻦ ﺧﻼل رﺋﺔ ( ﻋـﺴﻜﺮﻳﺔ ) ﻣﻔﻌـﻤﺔ ﻋﺎدةً ﺑﻌـﺒﻖ اﻟـﺒﺎرود، وأﺿﺤﻰ
اﻟﺘﻮﺟﺲ واﻟﻘﻠﻖ واﶈﺎذرة و ﻛﻞ معاني وصور ( اﳋﻮف) ﻣﺴﺘﻌﻤﺮات وﺟﺪت ﻟﻬﺎ ﻓﻲ
اﻟﺬﻫﻦ اﻟﻌـﺮﺑﻲ ﻣﺮﺗـﻌﺎً ﺧـﺼﺒﺎً ﻛﺮﳝـﺎً،ﻓﺎﺧﺘﻨﻖ اﻟﻔـﻜﺮ وﺿﻤﺮ ﺟـﻤﻮح اﻹﺑﺪاع وﺧـﺒﺖ ﺟﺬوة
اﻟﻬـﻤﺔ، وﺗﺄﻟﻘﺖ اﻵﻟﺔ اﻹﻋﻼﻣـﻴﺔ واﻟﺘﻌﻠﻴﻤـﻴﺔ ﺑﺘـﺮﺳﻴﺐ اﻟﺒﻼدة اﻟـﺸﺎﻣﻠﺔ واﻟـﻀﻠﻮع ﺑﺘﻮرﻳﺜـﻬﺎ
.ﺟﻴﻼً ﺑﻌﺪ ﺟﻴﻞ، ﺣﺘﻰ ﺗﺸﻜﻞ وﻋﻲ ﻣﺜﻘﻞ ﺑﺄﻛﺪاس ﻣﻦ ﻣﺨﻠﻔﺎت اﳉﻬﻞ واﻟﻔﻘﺮ
ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻳﺸﺮق ﺳﺆال ﻳـﺤﺎﻛﻲ واﻗﻊ اﻟﻴﻮم :ﻣﺎذا ﻧﺘـﺄﻣﻞ أن ﺗﻘﺬف ﺑﻪ أي ﺛﻮرة ﺗﺨﻠـﻘﺖ ﻓﻲ

رﺣﻢ ﻛــﻬﺬا ….؟ أو أي رﻏــﺒﺔ ﻓﻲ ﻣــﺸﺮوع ﻧﻬــﻮﺿﻲ، ﻓﺎﻷﺳﺎس ﻓﻲ أﺻﻠﻪ ﻣﺎﺋﺪ وﻻ
.ﻳﺴﺘﻮي ﻋﻠﻰ ﺻﻔﺤﺘﻪ أي ركاز أو بناء

ﺛﻮرات اﻟﺸﻚ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ:

ﻟـﻘﺪ ﺑﺎت ﻣﻔـﻬﻮم اﻟـﺜﻮرة ﻣﻦ أدﺑـﻴﺎت اﻟﺴﻴـﺎﺳﻴﺔ اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻟﻠﺨﻼص ﻣﻦ وﻃﺄة اﻟـﻮاﻗﻊ وأﻏﻼل
اﻷﻧﻈـﻤﺔ اﻟﺜﻘﻴــﻠﺔ، وﻣﻦ ﺑـﻌﺪ اﻟـﺜﻮرة اﻟﻌﺮﺑــﻴﺔ اﻟـﻜﺒﺮى اﻟﺘﻲ ﺗﺰﻋﻤـﻬﺎ اﳊـﺴﲔ ﺑﻦ ﻋـﻠﻲ ﺿﺪ
اﻟــﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧــﻴﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﲟﻌــﺎوﻧﺔ اﻻﳒﻠــﻴﺰ وﻫﻲ ﲡــﺮﺑﺔ ﺗﻌﺘــﻮرﻫﺎ اﻟﺮداءة وأﻋﻮز إﻟﻰ
أﺑﺠﺪﻳﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ أﺿﺤﻰ اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻻ ﻳﺮى ﺳﺒﻴﻞ ﻟﻠﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ واﻗﻌﻪ اﻟﺒﺌﻴﺲ واﳋﺮوج
ًﻣﻦ درﻛﺎﺗﻪ اﳌﻈﻠــﻤﺔ ﺳﻮى ﲟﻔــﻬﻮم ( ﺛﻮري ) وﺣــﺴﺐ ، ﺣﺘﻰ أﺿﺤﺖ اﻟــﺜﻮرة رﻣﺰا ملهما
وأﺳﻄﻮرة ﻣﺤﺒﺒﺔ اﻧﻔﻄﺮت ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻟﻨﻔﺲ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﳌﻘﻤﻮﻋﺔ ،وﻣﺜﻠﻤﺎ ﻧﺸﺄت وﺗﺮﺳﺒﺖ ﺛﻘﺎﻓﺔ
اﳌﻬـــﺪوﻳﺔ ( اﳌـــﻬﺪي اﳌﻨﺘـــﻈر ) ﻓﻲ اﻟﻮﻋﻲ اﻟﻌـــﺮﺑﻲ و اﻹﺳﻼﻣﻲ وﺑﺎﺗﺖ ﻣﻦ ﻣـــﺪﻏﺪﻏﺎت
اﻟـﻮﺟﺪان اﳌـﻀﻄﻬﺪة اﳌﻘـﻬﻮرة ﻛﺎن ﻣﻔـﻬﻮم اﻟـﺜﻮرات اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻛﺬﻟﻚ، ﻛﻠـﻤﺎ اﺷﺘﺪ اﻟـﻐﻞ
واﻛﻔـﻬﺮ وﺟﻪ اﳊـﻴﺎة اﻧﺒـﺠﺲ ﻓﻲ ﺧﻠـﺠﺎت اﻟﺬات اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻫﺬا اﳌﻌـﻨﻰ اﳊﻤـﻴﻢ وأﺳﺮﺟﺖ مطيتها لتيمم إلى حيث
المجهول ،ﺣﺘﻰ ﺗـﺴﺮب ﻫﺬا اﳌﻌـﻨﻰ إﻟﻰ اﻟﺬاﺋـﻘﺔ اﻟـﺸﻌﺮﻳﺔ، وﻓﻲJﻣﻄﻴﺘـﻬﺎ ﻟﺘﻴﻤﻢ إﻟﻰ ﺣـﻴﺚ ا
وﻗﺖ ﻣﺒﻜﺮ أﺧﺬ ﻳﺘﺴﻠﻞ إﻟﻰ ﻗﺮاﺋﺢ اﻷدﺑﺎء ، وﻧﺘﺬﻛﺮ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺿﺎﻗﺖ اﻟﻌﺮاق ذرﻋﺎً ﺑﺎﳌﻠﻜﻴﺔ
واﺳﺘﺜﻘﻞ اﻟﺸﻌﺐ وﻃﺄﺗﻬﺎ ﻛﺎن راﺋﺪ ﺷﻌﺮ اﳊﺪاﺛﺔ اﳌﺒﺮز ﺑﺪر اﻟﺴﻴﺎب ﻋﻠﻰ ﺷﻔﻴﺮ اﳊﺪث
وﻳﺘﺮﺑﺺ ﺑـﻬﺎ ﺣﺘﻰ اﻧﻔﻠـﻘﺖ ﻗﺮﻳﺤـﺘﻪ ﺑﺄﺟـﻤﻞ ﻣﺎ1958ﻳـﻨﺎﺟﻲ ﺛﻮرة ﲤﻮز اﻟﻮﻃﻨـﻴﺔ ﻋﺎم
ﻗﻴﻞ ﻓﻲ دﻳﻮان اﻟﺸﻌﺮ اﳊﺪﻳﺚ (( أﻧﺸﻮدة اﳌﻄﺮ )) اﻟﺸﻬﻴﺮة، ﻛﺎن اﻟﺴﻴﺎب ﻳﺸﻜﻮ ﻣﻦ
ﺟﻮر اﳌﻠﻜــﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺟﻮﻋﺖ اﻟــﻌﺮاق وأﺟﺪﺑﺖ أرض اﻟــﺮاﻓﺪﻳﻦ ووﻫــﺒﺖ ﺧﻴﺮاﺗــﻬﺎ اﳉﺰال
ﻟﻠﻤـﺴﺘﻌﻤﺮ اﻟﻐـﺮﺑﻲ، ﻓـﻜﺎن رﻣﺰ اﳌـﻄﺮ ﻫﻮ اﻟـﻐﻮث وﻫﻮ اﻟـﺒﺎﻋﺚ ﳊـﻴﺎة ﻣـﺸﺮﻗﺔ ﺟـﺪﻳﺪة وﻟـﻜﻦ
ﺳﺮﻋﺎن ﻣﺎ ﺗﺒﺨﺮت آﻣﺎل اﻟﺴﻴﺎب و ﺧﺎﺑﺖ ﻇﻨﻮﻧﻪ واﺳﺘﺤﻮذ اﻟﻌﺴﻜﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺪرات اﻟﺒﻼد
وأرﻫـﺒﻮا اﻟﻌـﺒﺎد، وﺑﺎت اﳌـﺴﺘﻌﻤﺮ ذﻛﺮى ودودا إزاء اﻟﻨﻈﻢ اﻟﺘﻲ ﺗﻮاﻟﺖ ﺑـﻌﺪه، واﻟﻌـﺠﺐ أن
ﻋﺎد اﻟــﺴﻴﺎب أدراﺟﻪ ﻳﺘﺮﺑﺺ وﻳﻌــﻘﺪ ﺣــﺒﺎﺋﻞ أﻣﺎﻧﻴﻪ ﺑــﺂﻣﺎل ﺛﻮرة ﺟــﺪﻳﺪة . ﺑﺎﻟﻔــﻌﻞ أن
اﻟﺴﻴﺎب ﻻﻣﺲ أﻃﺮاف اﻟﻌﺒﻘﺮﻳﺔ ﺑﺘﻠﻚ اﻟﻘﺼﻴﺪة وان ﻛﺎن ﻳﻌﺘﺮﻳﻬﺎ ﻫﻨﺎت ، وﻳﻈﻬﺮ واﻟﻌﻠﻢ
ﻋﻨﺪ اﷲ أﻧﻬﺎ ﻣﻦ أﺣﺴﻦ ﻣﺎ ﺟﻨﺎه اﻟﻌﺮب ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﺜﻮرات المجنونة..

وﻗﺪ ﻛﺎن ﻋـﺒﺪ اﻟﻨـﺎﺻﺮ ﻳـﺼﺮخ ﻓﻲ ﻣـﻴﺪان اﳌﻨـﺸﻴﺔ ﻓﻲ ذﻛﺮى اﳉﻼء ﻋﺎم 1954م مذكرا
وﳑﺘـﻨﺎً أﻧﻪ ﻓﻲ ﺑﻮاﻛﻴﺮه ﻣﻦ اﻧﺒﺮى ﳑـﺰﻗﺎ ﻏـﺸﺎء اﻟﺬل وﻣﺤﻄـﻤﺎً ﻧـﻴﺮ اﻻﺳﺘﻌﺒﺎد ، وﺑـﻌﺪﻣﺎ
اﺳﺘﺒﺪ ﺑﺎﻟﺰﻋـﺎﻣﺔ ﻟﻚ أن ﺗﺘﺨـﻴﻞ آﻓﺎق اﳊـﺮﻳﺔ وﻣـﻌﺎﻧﻲ اﻟﻜـﺮاﻣﺔ اﻟـﻠﺘﲔ ﺑـﺸﺮ ﺑﻬـﻤﺎ ﻫﺬا اﻟﺰﻋـﻴﻢ
اﳌﻈـﻔﺮ.. وﻋـﺒﺪ اﻟﻨـﺎﺻﺮ ﻋﺮّاب ﺛﻮرة اﻟـﻀﺒﺎط اﻷﺣﺮار اﻟﺘﻲ أﻃﺎﺣﺖ ﺑﺎﳌﻠﻜـﻴﺔ اﳌـﺼﺮﻳﺔ ﻋﺎم 1952م
وﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﺎم ﺑﺘﻨﺤـﻴﺔ ﺳﻠﻔﻪ وﺻﺪﻳﻖ ﺛﻮرﺗﻪ اﻟـﻠﻮاء ﻣﺤـﻤﺪ ﳒـﻴﺐ. وﻫﻮ ﻃﺎرد
اﻟﻔـﻜﺮ وﺧﺎﻧﻖ اﳊـﺮﻳﺔ وﻫﻮ أﻳـﻀﺎ ﻣﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﻋـﻬﺪه أم اﻟـﺮزاﻳﺎ اﻟﻌﺮﺑـﻴﺔ ﻣﺎ ﺗـﺴﻤﻰ ﺑﻨﻜـﺴﺔ 67
اﻟﺘﻲ اﻟﺘـﻬﻢ اﻟـﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻋـﻠﻰ إﺛـﺮﻫﺎ ﺑﻘـﻴﺔ اﻷرض اﻟﻔﻠـﺴﻄﻴﻨﻴﺔ واﳉﻮﻻن وﺳﻴﻨـﺎء،
ثم أن ﻋـﺒﺪ اﻟﻨـﺎﺻﺮ ﻣﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﺟـﻨﺎزﺗﻪ ﻣﻦ أﻛﺒﺮ اﳉــﻨﺎزات اﻟﺘﻲ ﻋﺮﻓــﻬﺎ اﻟـﻌﺎﻟﻢ ﺣــﺸﻮدا

ﻣﻔﺎرﻗﺎت ﻻ ﺗﻜﺎد ﲡﺪﻫﺎ ﺳﻮى ﻋﻨﺪ اﻟﻌﺮب …!

محمد بن إبراهيم الهدلق
m.hadlaq9@gmail.com

لجينيات 2011/7